في الآونة الأخيرة، باتت منصّات التواصل الاجتماعي تعجّ بمقاطع مصوّرة لمدوّنين، وفاشنيستا، وأصحاب إعلانات، يتحدثون عن قضايا مجتمعية حساسة، تمس حياة الناس بشكل مباشر. مقاطع تنتشر بسرعة، وتُقدَّم بلغة واثقة، لكنها في كثير من الأحيان تُطرح خارج سياقها، أو دون فهم شامل لتعقيدات هذه القضايا وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية.
الإشكالية هنا لا تكمن في إبداء الرأي، فالنقاش حق مشروع، ومملكة البحرين عُرفت باتساع مساحة حرية التعبير واحترام تعدد الآراء، بل إن هذا التنوع يُعد أحد مؤشرات الوعي المجتمعي. لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في الطريقة التي تُطرح بها هذه الملفات، وفي تحوّل القضايا العامة إلى محتوى سريع يُدار بمنطق التفاعل والمشاهدات، لا بمنطق المعرفة والمسؤولية. فحرية التعبير لا تُقاس بارتفاع الصوت، بل بعمق الفكرة، ولا تُمارَس بانفعال، بل بوعي.
الوطن لا يُقاس بالكلام العالي فقط، ولا يُختصر في ردود أفعال متسرّعة، ولا يُدار بحدة الصوت على منصات التواصل الاجتماعي. بل هو وعيٌ يومي، ومسؤولية تُمارَس حين نكتب، وحين نتحدث، وحين نختلف.
وفي كثير من الأحيان، تتحوّل هذه المقاطع إلى شرارة لنقاشات حادة واحتكاكات متصاعدة بين مؤيدين وأصحاب رأي آخر، ويُعاد تداولها على نطاق واسع دون تمحيص أو قراءة متأنية. هذا النوع من الجدل، حين يُترك بلا وعي، لا يبقى محصوراً بين الكبار، بل يتسلل بصمت إلى عقول المراهقين والأطفال، أولئك الذين يتلقّون الصورة دون امتلاك أدوات الفهم والتحليل أو القدرة على قراءة المشهد كاملاً. وما يُتداول اليوم بلا حساب، قد يُشكّل غداً وعي جيل كامل.
ومن المسيء للوطن أن تتحوّل القضايا الجادة إلى مادة للجدل السريع، وأن تتكاثر الفيديوهات والنقاشات الحادة التي تُختزل فيها الملفات الوطنية في آراء متسرّعة، تُقدَّم أحياناً عبر أشخاص لا يملكون الخبرة التعليمية أو الاقتصادية التي تؤهلهم لرؤية الصورة كاملة، فيرون المشهد من زوايا ضيقة تحكمها التجربة الشخصية لا المعرفة ولا المسؤولية. فالقضايا الكبرى لا تُدار بمنطق “الترند”، ولا تُناقَش بعقلية الإعلان، ولا تُختصر في دقائق مصوّرة.
ولا يمكن إغفال أن بعض هذه المقاطع لا تُنشر بدافع الحرص أو التوعية، بل بدافع كسب المتابعين، وحصد التعليقات، وإثارة الجدل، حتى وإن كان الثمن تعميق الانقسام أو إرباك الرأي العام. وهنا تضيع الحدود بين الرأي المسؤول والمحتوى الباحث عن الانتشار، وتُختزل المصلحة العامة في أرقام المشاهدات، بدل أن تُصان بالعقل والحكمة.
وفي المقابل، تبقى القضايا العامة أحوج ما تكون إلى مساحات نقاش أكثر عمقاً، يُشارك فيها المختصون وأصحاب الخبرة، وتُطرح فيها الأسئلة بوعي، بعيداً عن التهويل أو التبسيط المُخلّ، وبما يحفظ للمجتمع توازنه، وللوطن صورته وهيبته.
وهنا يبرز السؤال المنطقي: لماذا كل هذا التأويل؟ ولماذا هذا القلق المبالغ فيه؟ ونحن نعيش في ظل قيادة حكيمة أثبتت عبر السنوات قدرتها على إدارة التحديات، وحماية المجتمع، والحفاظ على تماسكه؟ لماذا نُسلم وعينا للضجيج، ونسمح للتفاصيل الصغيرة أن تُربك الصورة الكبيرة، بينما الثوابت واضحة، والمسار ثابت؟
ففي الأوطان المستقرة، لا تُدار الملفات الكبرى بالانفعال، ولا تُبنى المواقف على مقاطع عابرة، بل بالحكمة، وبالثقة، وبالوعي الجمعي الذي يدرك متى يتحدث، ومتى يُحسن الصمت.
وبصراحة...نحن بخير ما دمنا نثق، وما دمنا نفهم أن حب الوطن لا يعني التشكيك الدائم ولا الخوض في كل تفصيل، بل الاطمئنان الواعي، والاختلاف المسؤول، والهدوء الذي يحمي الوطن حين تعصف الرياح.