أ. شفيقة زيد

أتذكر قصة السيّدة التي كانت تقطع رأس السمكة وذيلها قبل طهيها، وحين سُئلت عن السبب قالت: «هكذا تعلّمت من أمي». وحين طُرح السؤال على الأم، كان جوابها مماثلاً، وعندما سُئلت الجدة عن السبب ابتسمت وقالت: «في شبابي، كانت المقلاة التي أملكها صغيرة جداً، ولم تكن السمكة تتسع فيها بشكل كامل، لذلك كنت أضطّر لقطع رأسها وذيلها». بينما لو سألت السيدة والدتها عن السبب منذ البداية، لما استنزفت جهدها ووقتها في اتباع عادة لا تنطبق على حياتها ومعدات مطبخها الحديث.

في الموروث الشعبي التربوي، تبرز هذه القصة كواحدة من أعمق الدروس التي تشرح كيف تتشكل العادات وتنتقل عبر الأجيال، فالسيدة التي كانت تقطع رأس السمكة وذيلها لم تكن تفتقر للذكاء، بل كانت تفتقر إلى «السؤال». لقد ورثت سلوكاً فرضته المقلاة الضيقة لوالدتها في زمن مضى، وحوّلته في حاضرها إلى قاعدة ثابتة، فقط لأنها لم تملك الجرأة لفتح باب السؤال.

إن تربية أبنائنا على حرية التفكير يحمي عقولهم من أن تصبح مجرد نسخ كربونية لتجارب قد لا تناسب عصرهم، فالسؤال ليس مجرد رغبة في الفهم أو الاستفسار، بل هو أداة فعّالة لهدم الأوهام، وهو من أرقى السلوكيات الإنسانية لاقتحام أبواب المعرفة وبلوغ الحكمة، فالطفل الذي يفكر بحرية يدرك أن «هذا ما وجدنا عليه آباءنا» ليست إجابة كافية، بل هي بداية البحث، وعندما يسأل «لماذا» هو لا يستفسر فقط، بل يمارس حقه في تنقية عقله من العادات التي فقدت مبرر وجودها.

كما أن التفكير الحرّ هو انفتاح على الآخر، والمفكر الحرّ هو الذي يتبنّى قاعدة: إذا وجدت شيئاً غريباً عن فهمك، فلا تتعجل الحكم، بل اسأل أهله. السؤال هنا يتحول من أداة معرفية إلى أداة أخلاقية، فالكشف عن المبرّرات يؤدي إلى التفهّم، والتفهّم يقود إلى الانفتاح والتواصل والتعارف. التفكير الحر هو الترياق الوحيد ضد النظرة السلبية للآخر المختلف.

إن قصة السيّدة والمقلاة ليست مجرد حكاية عابرة، بل هي درس تربوي عميق، ففي كل مرّة نُسكت فيها فضول طفل، أو نجبره على اتباع عادة «بلا معنى»، نحن نقتطع جزءاً من عقله ومن قدرته على الإبداع. فلنجعل أثمن هدية نقدمها لأبنائنا هي حرية التفكير، ولنعلِّمهم أنَّ احترام الماضي لا يعني السكن فيه، وأن الوفاء للأجداد يكون بإحياء قيمهم، لا بالتمسّك بأدواتهم المعطلّة. وليجعلوا من «لماذا» جسراً للحوار، فالعالم لا يحتاج إلى نسخ مكرّرة. بل يحتاج إلى جيل يمتلك الشجاعة ليفكر بعقله، جيل يدرك أن الحقيقة أوسع من أي «مقلاة» ضيقة.