مع انتهاء الدراسة وبدء إجازة منتصف العام، تعمّ البيوت أجواء من الراحة والفرح، غير أن هذه الفترة التي يفترض أن تكون مساحة للراحة وتجديد النشاط، تتحول في كثير من الأسر إلى موسم للسهر المفرط وإهدار الوقت أمام شاشات التلفاز والهواتف، في مشهد يتكرر كل عام دون وعي بخطورته على الفرد والأسرة معاً.
فالسهر الطويل لا يسرق ساعات النوم فقط، بل يخلّ بنظام الحياة كله، ويؤثر سلباً على الصحة الجسدية والنفسية، ويزرع الكسل والخمول، ويُضعف روح الانضباط، خاصة لدى الأبناء. أما الجلوس لساعات ممتدة أمام التلفاز دون هدف، فيُفرغ الإجازة من معناها الحقيقي، ويحوّل الوقت – وهو أغلى ما يملك الإنسان – إلى عبء مهدور لا يعود بنفع أو فائدة.
وقد نبّه الله تعالى إلى خطورة تضييع الوقت، إذ أقسم به في قوله: «والعصر إن الإنسان لفي خسر»، تأكيداً على أن العمر رأس مال الإنسان، وأن الخسارة الحقيقية تكمن في إضاعته دون عمل نافع. كما دعا الإسلام إلى استثمار الوقت فيما يفيد، وجعل العمل والتعلم وطلب المعرفة من أفضل القربات، وحثّ على التوازن بين الراحة والجد، واللهو المباح والمسؤولية.
إن الإجازة ليست دعوة للكسل، بل فرصة ذهبية لاكتشاف الذات وتطوير المهارات. يمكن استغلال الوقت في تعلم لغة جديدة، أو تنمية موهبة مؤجلة، أو قراءة كتاب نافع، أو حتى تعلّم مهارات بسيطة تفتح آفاقًا جديدة في المستقبل. كما تمثل الإجازة مساحة رحبة لقضاء وقت ممتع مع الأصدقاء في أنشطة مفيدة، تُنمّي الروح الاجتماعية، وتُعزز قيم التعاون والحوار بعيداً عن العزلة التي تفرضها الشاشات.
وتقع على الأسرة مسؤولية كبيرة في توجيه الأبناء، من خلال تنظيم أوقات النوم، وتقنين الجلوس أمام التلفاز، وتشجيع الأنشطة البديلة التي تجمع بين المتعة والفائدة. فالتربية بالقدوة، ووضع برامج يومية مرنة، كفيلان بتحويل الإجازة من وقت ضائع إلى تجربة ثرية تعود بالنفع على الجميع.
في النهاية، تبقى الإجازة نعمة قد تتحول إلى نقمة إن أُسيء استغلالها، وقد تكون بوابة للنجاح والنضج إن أحسنّا إدارتها. فالوقت أمانة، ومن يحسن حفظه اليوم، يجني ثماره غداً.
ولتحقيق الاستفادة الحقيقية من إجازة منتصف العام، لا بد من طرح بدائل عملية تشجع على استثمار الوقت بدلاً من إهداره. يمكن للأسرة أن تضع برنامجاً يومياً مرناً يجمع بين الراحة والنشاط، مثل تخصيص ساعة يومياً للقراءة أو تعلم مهارة جديدة عبر الدورات المجانية على الإنترنت، وساعة أخرى لممارسة الرياضة أو المشي، لما لذلك من أثر إيجابي على الصحة الجسدية والنفسية. كما يمكن تشجيع الأبناء على المشاركة في أعمال تطوعية بسيطة تُنمّي لديهم الإحساس بالمسؤولية، أو تنظيم لقاءات هادفة مع الأصدقاء تقوم على أنشطة ثقافية أو ترفيهية مفيدة بدل السهر بلا هدف. ولا يقل أهمية عن ذلك إحياء الأجواء الأسرية، من خلال الجلسات العائلية، والألعاب الجماعية، والحوار المفتوح، بما يعيد للوقت قيمته، وللإجازة معناها الحقيقي كفرصة للبناء لا للهدر.
كما تمثل إجازة منتصف العام فرصة مثالية لإعادة ضبط العادات الغذائية، خاصة مع تراجع الانشغال اليومي وضغوط الدراسة. فزيادة السهر وقلة الحركة غالباً ما يصاحبها الإفراط في تناول الوجبات السريعة والمشروبات السكرية.