سيد حسين القصاب

يأتي اليوم الدولي للتعايش السلمي، الذي يصادف 28 يناير من كل عام، ليؤكد أهمية ترسيخ قيم السلام والتسامح والاحترام المتبادل بين الشعوب والثقافات، باعتبارها ركائز أساسية لاستقرار المجتمعات وبناء مستقبل إنساني مشترك. وقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا اليوم بمبادرة من مملكة البحرين، في خطوة تعكس التزامها العميق بنشر ثقافة التعايش والحوار بين الأديان والثقافات على المستويين الإقليمي والدولي.

ولا يقتصر دور البحرين في هذا المجال على الجانب النظري أو الدبلوماسي فحسب، بل يتجسد عملياً في نموذج مجتمعي متكامل يقوم على قبول التنوع واحترام الآخر، حيث تعيش على أرضها طوائف وأديان وثقافات متعددة في بيئة يسودها الأمن والاستقرار والانسجام الاجتماعي، ما جعلها مثالاً يُحتذى به في المنطقة والعالم.

يُعد التعايش السلمي أحد المرتكزات الأساسية في النهج الذي تتبناه مملكة البحرين، انطلاقاً من رؤية حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، الذي أكد في أكثر من مناسبة أن التنوع الديني والثقافي يمثل عنصر قوة للمجتمعات، وليس مصدراً للخلاف أو الانقسام.

وقد أرست هذه الرؤية أساساً واضحاً لسياسات وطنية تعزز قيم التسامح والعيش المشترك. وتجسدت هذه الرؤية في إعلان مملكة البحرين للتسامح الديني والتعايش، الذي شكّل وثيقة مرجعية مهمة تؤكد حق جميع الأفراد في ممارسة شعائرهم الدينية بحرية، وتدعو إلى نبذ التعصب والكراهية وتعزيز الحوار والتفاهم بين أتباع الديانات والثقافات المختلفة.

وقد أسهم هذا الإعلان في تعزيز مكانة البحرين كدولة تحترم التعددية، وتؤمن بأن السلام يبدأ من الداخل، وينعكس على المحيط الإقليمي والدولي.

كما انعكس هذا النهج في السياسات التعليمية والثقافية والإعلامية، التي تركز على نشر ثقافة التسامح واحترام الآخر، وتغرس قيم التعايش السلمي في الأجيال الجديدة، بما يعزز من تماسك النسيج الاجتماعي، ويحافظ على استقرار المجتمع البحريني.

شكّل اعتماد اليوم الدولي للتعايش السلمي من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة محطة مفصلية في الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز ثقافة السلام، وجاء ثمرة لمبادرة بحرينية تعكس دور المملكة الفاعل في القضايا الإنسانية العالمية.

وقد حظيت هذه المبادرة بإشادة واسعة من الدول الأعضاء، لما تحمله من رسالة عالمية تدعو إلى الحوار والتفاهم ونبذ العنف والتطرف. ويعكس هذا الإنجاز الدبلوماسي إيمان البحرين بأهمية العمل الجماعي الدولي لمواجهة التحديات التي تهدد السلم المجتمعي، خاصة في ظل تصاعد النزاعات والصراعات القائمة على أسس دينية أو ثقافية.

كما يعزز من حضور البحرين في المحافل الدولية كصوت داعم للسلام والتعايش، ويسهم في نقل تجربتها الوطنية إلى نطاق أوسع. ويمثل هذا اليوم فرصة سنوية لتسليط الضوء على المبادرات والبرامج التي تعزز قيم التعايش، سواء على مستوى الدول أو المؤسسات أو الأفراد، كما يشكل منصة عالمية لتبادل التجارب الناجحة، وفي مقدمتها التجربة البحرينية التي أثبتت قدرتها على تحويل التنوع إلى عامل استقرار وتنمية.

تُعد زيارة قداسة البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان الراحل، إلى مملكة البحرين حدثاً ذا طابع تاريخي ومؤثر على صعيد العلاقات بين الأديان والحضارات، لما حملته من رسائل قوية عن السلام، الحوار، والتعايش بين أتباع مختلف الديانات.

وجاءت هذه الزيارة عام 2022 بدعوة من جلالة الملك المعظم، في مناسبة منتدى البحرين للحوار: الشرق والغرب من أجل التعايش الإنساني، حيث شارك فيها كبار رجال الدين من مختلف الخلفيات، بما في ذلك فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف، مما منح الزيارة أهمية خاصة في مساعي تعزيز الأخوة الإنسانية العالمية.

وقد تم استقبال البابا في البحرين باستقبال رسمي في قصر الصخير الملكي، حيث ألقى كلمة بارزة أمام ممثلي السلطات والمجتمع المدني والسلك الدبلوماسي، أعرب فيها عن تقديره لمملكة البحرين كنموذج للحوار واحترام الآخر.

وأكد البابا في كلمته على أن البحرين هي «أرض لقاء بين شعوب مختلفة» وأن تنوعها الثقافي والديني يشكل «فسيفساء حياة» تنهض على الاحترام المتبادل وقيم الأخوة الإنسانية، مستشهداً بصورة «شجرة الحياة» في البحرين التي ترمز إلى القدرة على النماء والحياة في بيئات متنوعة وتحديات مختلفة.

وتجلت دلالات الزيارة في أمور عدة، أولها الاعتراف العالمي بدور البحرين كمنصة للحوار الحضاري بين الشرق والغرب، حيث جمعت الفعالية قيادات دينية من مختلف أنحاء العالم بهدف توسيع آفاق التفاهم المتبادل.

يُعد مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح أحد أبرز الأطر المؤسسية التي تجسد التزام البحرين العملي بترسيخ ثقافة التعايش السلمي، حيث أُنشئ المركز ليكون منصة فكرية وحوارية تهدف إلى نشر قيم التسامح، وتعزيز التفاهم بين أتباع الديانات والثقافات المختلفة، على المستويين المحلي والدولي.

ويضطلع المركز بدور محوري في تنظيم المؤتمرات والمنتديات الدولية التي تجمع قيادات دينية وفكرية وأكاديمية من مختلف أنحاء العالم، لمناقشة قضايا التعايش وحرية الدين والمعتقد، وبحث سبل تعزيز الحوار بين الحضارات.

كما يعمل على إطلاق برامج تعليمية وتدريبية متخصصة تسهم في إعداد كوادر قادرة على نشر ثقافة السلام ومواجهة خطاب الكراهية.

إلى جانب ذلك، يحرص المركز على بناء شراكات استراتيجية مع مؤسسات دولية وجامعات ومراكز أبحاث، بما يعزز من تبادل الخبرات والتجارب في مجال التعايش السلمي، ويسهم في ترسيخ الدور الريادي للبحرين كمركز عالمي للحوار والتسامح.

في إطار التزام مملكة البحرين العميق بنشر قيم التعايش، التسامح، والسلام على مستوى العالم، أطلق جلالة الملك المعظم جائزة الملك حمد للتعايش والتسامح كأحد أهم المبادرات البارزة التي تُظهر رؤية البحرين الإنسانية وتقديرها للجهود التي تعمل على تعزيز التفاهم بين الحضارات والثقافات.

وتمتاز هذه الجائزة بطابعها الدولي وشموليتها، حيث تَمنح للأفراد والمنظمات الذين قدموا أعمالاً وإسهامات نوعية في مجال حوار الحضارات والتعايش، مما يسهم في تحقيق العيش المشترك ونبذ الكراهية والعنف والتطرف في المجتمعات التي يخدمونها.

وتمنح الجائزة في احتفال رسمي تحت رعاية جلالة الملك المعظم، ويتلقّى الفائزون ميدالية وشهادة تقديرية ومكافأة مالية تقديراً لعطائهم، ما يعكس أهمية هذا التكريم في دعم المساعي الإنسانية العالمية.