أكد الخبير الدولي في أمن الطاقة النووية د. راندي بيتي، أن المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة (SMRs) تمثل خياراً آمناً وفعّالاً ضمن منظومات الطاقة المستقبلية، لما تتمتع به من خصائص أمان متقدمة تعتمد على نحو رئيسي على أنظمة السلامة السلبية، التي لا تتطلب تدخلاً بشرياً في حالات الطوارئ، إلى جانب اعتمادها على التبريد الطبيعي أو التبريد بالحمل الحراري، بما يضمن الإيقاف الآمن للمفاعل لفترات طويلة دون حوادث تشغيلية.
وجاء ذلك خلال الحوار الفكري الذي نظمه مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»، بالتعاون مع سفارة الولايات المتحدة الأمريكية لدى مملكة البحرين، تحت عنوان «المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة (SMRs) في منظومات الطاقة المستقبلية»، حيث استعرض د. بيتي الخصائص التقنية والتصميمية التي تميز هذه المفاعلات مقارنة بالمفاعلات النووية التقليدية.
وأوضح أن تصاميم المفاعلات المعيارية الصغيرة تتميز بالبساطة والتكامل، إذ تعتمد على عدد أقل من المكونات النشطة، كما تُصنّع على شكل وحدات متكاملة داخل المصانع، ما يعزز من جودة التصنيع، ويوفر مستوى أعلى من التوحيد القياسي، ويسهم في خفض التكاليف مع الانتقال إلى الإنتاج الكمي، مشيراً إلى أن تكاليف الإنتاج شهدت انخفاضاً تراوح بين 30-70% مع التوسع في التصنيع المتكرر.
وبيّن أن هذه المفاعلات صُممت بمعايير أمان عالية، من بينها الإنشاء تحت مستوى سطح الأرض، وتقليص حجم المفاعل ومصدر التفاعل، إضافة إلى استخدام أنظمة تبريد سلبية تسمح بالاستجابة الآمنة لأي طارئ، موضحاً أن صغر حجم الوعاء والاحتواء يتيح تبريداً طبيعياً فعالاً دون الحاجة إلى أنظمة معقدة.
وأشار د. بيتي إلى أن المفاعلات المعيارية الصغيرة توفر مرونة أكبر في مواءمة نمو شبكات الكهرباء، لكونها تُبنى على مراحل وبقدرات أصغر، بما يسمح بتحقيق عوائد مبكرة قبل الحاجة إلى إنتاج كميات ضخمة من الكهرباء، مؤكداً أن هذه الميزة تمثل عاملاً اقتصادياً مهماً مقارنة بالمفاعلات التقليدية ذات القدرات الكبيرة.
ولفت إلى أن التصاميم الحديثة لهذه المفاعلات تتمتع بقدرة عالية على مقاومة العوامل الخارجية، بما في ذلك الزلازل، إضافة إلى أن صغر نطاق مناطق الطوارئ يتيح إمكانية توطين هذه المنشآت داخل المناطق الصناعية أو بالقرب من مراكز الطلب، الأمر الذي يقلل من فاقد نقل الطاقة، ويعزز الكفاءة الاقتصادية.
واوضح أن المفاعلات المعيارية الصغيرة لا تقتصر على إنتاج الكهرباء فقط، بل يمكن توظيفها ضمن أنظمة طاقة متكاملة لإنتاج الحرارة الصناعية والبخار عالي الحرارة والهيدروجين، مؤكداً أن الطاقة النووية قادرة على دعم مجموعة واسعة من الاستخدامات الصناعية بفضل نطاق درجات الحرارة الواسع وارتفاع معامل الجاهزية التشغيلية الذي يصل إلى نحو 95–96%.
وتطرّق د. بيتي إلى بعض التجارب الدولية والاتجاهات الاستثمارية التي تتبناها عدة دول لتطوير تقنيات المفاعلات المعيارية الصغيرة، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الطاقة العالمي، والتوجه نحو حلول أكثر موثوقية وأدنى أثراً على البيئة، مؤكداً أهمية دمج هذه التقنيات مبكراً ضمن استراتيجيات التخطيط الوطني للطاقة.
وأكد الخبير د. بيتي أن التصاميم المتقدمة تعتمد على الفصل بين الجزيرة النووية وبقية مكونات محطة التوليد، ما يسمح بتطبيق أعلى معايير الجودة على الأجزاء النووية الحساسة داخل المصانع، مقابل مرونة أكبر في بقية مكونات المحطة، وهو ما يحقق مزايا اقتصادية إضافية.
وتطرق إلى أنواع أنظمة التبريد المتقدمة المستخدمة في المفاعلات الحديثة، ومنها المفاعلات المبردة بالأملاح المنصهرة، والمفاعلات المبردة بالصوديوم السائل، والمفاعلات ذات الحرارة العالية المبردة بالغاز، موضحاً أن هذه التقنيات توفر درجات حرارة أعلى وتقلل الحاجة إلى كميات كبيرة من المياه، ما يجعلها مناسبة للمنطقة.
وشدد على أهمية سلاسل الإمداد النووية، موضحاً أن تطوير برامج الطاقة النووية لا يقتصر على بناء المفاعلات، بل يشمل أيضاً استيراد الوقود النووي ومعالجته وتصنيعه، مؤكداً وجود فرص اقتصادية كبيرة أمام الدول للمشاركة في هذه السلسلة وتعزيز القيمة المضافة محلياً.
وفي ختام حديثه، شدد د. بيتي على أن نجاح أي برنامج نووي يتطلب التخطيط المبكر لبناء الكوادر الوطنية، من خلال تطوير البرامج الأكاديمية والتقنية في الجامعات، وإنشاء مسارات لتأهيل الفنيين والمهندسين والمشغلين، مشداً على أن الاستثمار في الموارد البشرية يجب أن يسبق تشغيل المفاعلات بسنوات لضمان الاستدامة التشغيلية والأمنية.
ويُعدّ د. راندي بيتي من الخبراء الدوليين البارزين في مجالات أمن الطاقة النووية والتعاون العلمي، إذ يمتلك خبرة مهنية تمتد لعقود شغل خلالها مناصب قيادية وبحثية في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ووزارة الطاقة الأمريكية ومختبر أوك ريدج الوطني، وأسهم في إدارة برامج دولية متقدمة تتعلق بأمن المواد النووية ودورة الوقود النووي.
وأدار الحوار مدير إدارة الدراسات والبحوث بالمركز د. عمر العبيدلي، بحضور ممثلين عن مؤسسات وطنية وعدد من المهتمين، وذلك ضمن جهود برنامج دراسات الطاقة والبيئة لمناقشة التحولات الاستراتيجية في قطاع الطاقة وتأثيراتها الآنية والمستقبلية، وتعزيز النقاش العلمي حول أمن الإمدادات والاستدامة.