شهدت المجتمعات العربية في السنوات الأخيرة تحوّلات عميقة في بنيتها الثقافية والاجتماعية، كان أبرزها تصاعد دور مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي، أو ما يُعرف بـ«المؤثرين»، في تشكيل الوعي العام للمجتمع، لا سيما لدى فئة الشباب، هذا التأثير لم يعد يقتصر على الترفيه أو الإعلانات، بل تعداه ليصل إلى التأثير المباشر في منظومة القيم والسلوكيات المجتمعية.
ويمتلك المؤثرون اليوم أدوات تأثير هائلة من خلال المنصات الرقمية مثل إنستغرام، سناب شات، تيك توك، ويوتيوب، حيث يتابعهم الملايين ممن يرون فيهم قدوة أو مصدر إلهام، وهذه المتابعة المكثفة تمنحهم قدرة على صياغة مفاهيم كثيرة مثل النجاح، الجمال، الطموح، وحتى العلاقات الأسرية، فتظهر بعض (المشهورات) وهنّ يعرضن نمط حياة مترف، أو يروّجن لمنتجات باهظة، ما يربط في ذهن المتابعين بين الثراء والمظهر الخارجي، وبين القيمة الشخصية وحجم التفاعل الإلكتروني.
ومن أبرز التحديات التي تطرحها ظاهرة المؤثرين هي الترويج غير المباشر لقيم استهلاكية وسطحية، على حساب القيم الأخلاقية التي تحث على الاجتهاد والعلم والمسؤولية الاجتماعية، فبعض المحتوى يقدّم الشهرة كوسيلة سهلة للثراء، متجاهلاً أهمية التعليم أو الكفاءة، وهو ما يُحدث تشوهاً في مفهوم «تحقيق الذات» بشكل صحي ومتوازن.
ولا يقتصر التأثير على الجانب الفردي، بل يتعداه إلى الهوية الجماعية، إذ يلاحظ تقليد عشوائي لأنماط الحياة الغربية في اللباس، والحديث، وحتى السلوكيات اليومية، مما يسبب تهديداً لمستقبل الهوية الثقافية في المجتمعات العربية والإسلامية، ومدى قدرة الشباب على التمييز بين الانفتاح والتنازل عن الثوابت.
وفي بعض الحالات، يُنشر محتوى يتعارض مع القيم الدينية أو المجتمعية، مثل عرض تفاصيل الحياة الخاصة، أو العلاقات العاطفية على الملأ، أو تحديات تمس الذوق العام، هذه الممارسات قد تُضعف من مكانة الأسرة، وتُخلّ بتوازن القيم المتعارف عليها، خاصةً في المجتمعات المحافظة.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الدور البنّاء الذي يلعبه بعض المؤثرين، ممن يقدمون محتوى تربوياً، أو يسلطون الضوء على قضايا مجتمعية مثل دعم ريادة الأعمال، وتعزيز الموروث الشعبي، ونشر الوعي الديني بأسلوب عصري، إن هؤلاء يعتبرون كقدوة حقيقية تسهم في بناء وعي مجتمعي سليم ومتوازن.
ويتميّز المجتمع البحريني بوعي وثقافة تمكّنه من التمييز بين المحتوى الهادف والمحتوى الغير أخلاقي، فهو لا ينجرف خلف مشاهير السوشيال ميديا ممن يسيئون استخدام المنصات الرقمية، بل يُظهر المواطن البحريني الواعي موقفاً ناقداً، وقد يبادر بالإبلاغ عن التجاوزات الأخلاقية للجهات المختصة، في تأكيد على مسؤوليته المجتمعية وحرصه على حماية المبادئ والقيم العامة.
وعي مجتمعي
الحفاظ على منظومة القيم لا يعني الانغلاق، بل يتطلب وعياً جماعياً بأهمية التمييز بين المحتوى الهادف والمحتوى الهابط، وعلى الأسر والمدارس والجامعات أن تلعب دوراً تربوياً في توجيه النشء، بينما تتحمّل المنصات الرقمية جزءاً من المسؤولية من خلال تعزيز المحتوى الإيجابي والحد من انتشار المحتوى الضار، كما يُنتظر من (المؤثرين) أنفسهم إدراك مسؤوليتهم الأخلاقية، وعدم العبث بقيم المجتمعات.
* باحثة في الإعلام الرقمي وتكنولوجيا الاتصال