حنان الخلفان

الراتب لا يأتي متأخراً، لكنه غالباً يصل بعد فوات الأوان. يصل وقد سبقه كل شيء: أقساط حُجزت، وفواتير اصطفّت، ومواسم استهلاك أنهكت ما تبقّى منه قبل أن يدخل الحساب أصلاً. لم يعد الراتب بداية شهر، بل محاكمة شهرية لقراراتنا السابقة، ولحظات ضعفنا أمام إعلان مقنع، أو عرض «لا يُفوّت»، أو زحام أقنعنا أن الشراء ضرورة لا خيار. في هذا المشهد، لا يبدو التخطيط المالي رفاهية، بل محاولة متأخرة للسيطرة على واقع خرج عن السيطرة، خصوصاً حين يظهر توقيف الأقساط البنكية كحل سريع، بينما هو في الحقيقة مجرد تأجيل منظم للمشكلة، يعود لاحقاً بفوائد أعلى وكلفة أشد، يدفعها الراتب بصمت في الأشهر التالية.

أحد المفاتيح الأساسية في إدارة الراتب هو التعامل معه كأداة تنظيم لا كفرصة إنقاذ. فتوقيف الأقساط قد يمنح شعوراً عابراً بالراحة، لكنه في العمق يؤجل المشكلة ولا يحلها، ويُحمّل المستقبل أعباء إضافية. كثيرون يكتشفون متأخرين أن ما وفّروه اليوم، يدفعونه مضاعفاً غداً، دون أن ينتبهوا متى بدأ الخلل الحقيقي.

لكن الحقيقة التي يصعب تجاوزها، أن جزءاً كبيراً من هذا الضغط المالي لم يكن وليد الصدفة. خلال زيارتي لمعرض الخريف المقام حالياً في أرض المعارض، وجدت نفسي أمام مشهد يتكرر كل عام، لكنه بدا هذه المرة أكثر وضوحاً. نساء يتسابقن على شراء عطور بعينها، لا لأن الرائحة استثنائية بالضرورة، بل لأن الإعلانات المسبقة في وسائل التواصل الاجتماعي نجحت في زرع فكرة واحدة: هذه رائحة لا تُفوَّت، تُقدَّم وكأنها رائحة الجنة في زجاجة. وحين توقفت لتجربة بعض تلك العطور، راودني سؤال كاشف: من كان سيلتفت إلى هذه الزجاجات لولا تلك الحملات الدعائية المكثفة؟ هل الرائحة فعلًا فريدة، أم أن الإبداع التسويقي هو من صنع الإحساس بالحاجة، ودفع المستهلك إلى الشراء بدافع الخوف من أن يكون خارج المشهد؟

ما يحدث هنا لا يمكن اعتباره تسوقاً عادياً، بل «هوس معارض» مكتمل الأركان.

هوس لا يُقاس بالحاجة، بل بالزحام، ولا تحرّكه الضرورة، بل الإيحاء. تتحول المعارض إلى مساحات تُدار فيها قرارات الشراء بالعاطفة، وتُتخذ فيها اختيارات مالية تحت ضغط اللحظة، لا تحت حساب الراتب. الأخطر أن هذا الهوس يُمارَس جماعياً، فيشعر الفرد أن الامتناع خسارة، وأن التريّث تفويت لفرصة نادرة، حتى وإن لم تكن هناك حاجة حقيقية لما يُشترى.

الأخطر من ذلك، أن الاستهلاك لم يعد فعلاً فردياً بحتاً، بل سلوكاً اجتماعياً مراقَباً. لم نعد نشتري لأننا نحتاج، بل لأننا نُقارن، ونُشاهد، ونخشى أن نكون خارج المزاج العام. تتحول لحظة الشراء إلى مشهد جماعي يُوثّق بالصور والمقاطع، قبل أن يُحاسَب في نهاية الشهر. وهنا لا يكون الإعلان مجرد وسيلة ترويج، بل أداة ضغط ناعمة، تُعيد تعريف الحاجة، وتقنعنا بأن الامتناع هو الخسارة الحقيقية، لا الشراء غير المحسوب.

المفارقة أن نشوة الشراء لا تدوم. فهي تتلاشى سريعاً عند العودة إلى واقع الراتب، ومحاولة إعادة ترتيب الالتزامات، واكتشاف أن الإبهار المؤقت خلّف فجوة حقيقية. حينها لا يعود الإعلان حاضراً، ولا المعرض قائماً، ويبقى الراتب وحده في مواجهة التزامات لم تُحسب بدقة.وبصراحة.. التخطيط المالي الحقيقي لا يعني أن نعيش بلا متعة، بل أن نرفض أن تتحول المتعة إلى عبء دائم. أن نسأل أنفسنا قبل كل عملية شراء: هل نحتاج هذا فعلاً، أم أننا فقط استجبنا لإعلان صيغ بإتقان؟

وبصراحة أكثر، أسوأ قرار مالي لا يُتخذ تحت ضغط الحاجة، بل تحت تأثير الإبهار. حين نسمح للإعلان أن يقرر عنا، وللزحام أن يقنعنا، وللخوف من فوات الفرصة أن يدير أموالنا. عندها لا يصبح الراتب المشكلة، بل الطريقة التي سمحنا بها للآخرين أن يستهلكوه بالنيابة عنا.