أميرة صليبيخ

عندما أتكلم مع أي شخص، غالباً ما تظهر لي مؤشرات تقييم في عقلي تعمل على تصنيفهم في خانات معينة. أراقب طريقة حديثهم، المصطلحات التي يستخدمونها، أسلوبهم في التعبير عن مشاعرهم، انفعالاتهم، ردود أفعالهم، وغالباً ما بين الكلام أحاول أن أتعرف على ما يقرؤونه من كتب وحجم مكتباتهم، حتى أقرر في تلك اللحظة ما إذا كنت سأواصل الحديث بشكل أعمق، أو أضع حداً نهائياً معهم. هكذا بكل قسوة.

ذلك لأني أقيّم الأشخاص بحسب ما يقرؤونه ومدى مساعيهم للتطوير والتغيير. فأنا أقدر من يقرأ وأضع ملصقاً كبيراً على صورهم في ذهني أكتب عليها: هذا شخص يقرأ ويستحق المزيد من التقدير، أو في أغلب الأحوال سأركنهم مع البقية العادية من البشر، ممن يعيشون بلا أي جهد من أجل التغيير.

فعندما أسأل شخصاً عن مكتبته، فأنا أقف بصمت أمام سيرته غير المعلنة، وأتساءل: هل ساهمت هذه الكتب في خلق عقل مستنير؟ هل حقاً هو قادر على هضم ما يشتري من كتب؟ أو مجرد شخص آخر يهوى جمع الكتب والمفاخرة بها! فكثرة الكتب لا تعني أي عمق ما لم أستشفه في حديث الشخص. سيكون مجرد فقاعة مزيفة تدعي الثقافة والوعي.

فالمكتبة، مثل الوجوه، قد تخدع. فالكتب لا تعني القراءة الحقيقية ولا كل قراءة دليل على الفهم. هناك كتب لم تُفتح يومًا، وهناك كتب تصفحتها العين وليس الروح. وفي المقابل، ثمة أشخاص لا يملكون سوى كتاب أو فكرة واحدة، لكنها تسكنهم بعمق، وتعيد تشكيلهم ببطء، كما يفعل الماء بالصخر.

القراءة في جوهرها، ليست فعل جمع، بل فعل تحوّل وتغيير مستمرين. فالقارئ الحقيقي لا يستعرض ما يقرأ، بل يشع بجلاء بالكتب التي تسكنه.

وفي هذا الوقت الصاخب السريع، عصر التقنية والحداثة، تغير شكل المكتبة، لكن جوهر القراءة لم يتغير. قد تسكن الكتب في الهاتف المحمول، أو في لوح ذكي صغير أو صوت مسموع يسرد الكتب، لكن أثرها الحقيقي يظهر بشكل أو بآخر على الإنسان، في السلوك، في التعاطف، في الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت إليها إلا من قرأ البشر قبل أن يقرأ الكتب.

لذلك، فإن تقييم الناس وفق مكتباتهم يظل خياراً سهلاً، لكنه ناقص. فالعقول لا تختصر في عناوين الكتب، والثقافة والوعي لا توضع على الرفوف فقط. القيمة الحقيقية ليست فيما نملكه من كتب، بل فيما تفعله القراءة بنا: هل جعلتنا أصدق مع أنفسنا؟ أعمق؟ أكثر إنسانية؟ عندها فقط، يصبح الحكم على الآخرين في محله.