منال كويتان

حين تُغلق دفاتر الدراسة، لا تُغلق أبواب التعلّم. فالإجازة ليست فراغاً أبيض في روزنامة العام الدراسي، بل مساحة رحبة تتنفّس فيها الأرواح المتعبة، وتتشكل فيها ملامح خفية من شخصية الطالب، بعيداً عن ضجيج الحصص والاختبارات. في هذا الوقت الهادئ، تتعلّم النفس قبل العقل، وتنمو مهارات لا تكتبها المناهج، لكنها تكتب مستقبل الإنسان.

في أيام الإجازة، يتعلّم الطالب أول دروس إدارة الوقت دون جرس يرنّ أو معلم يذكّر. يستيقظ متأخراً يوماً، ويضبط ساعته يوماً آخر، فيدرك بالتجربة أن الوقت إن لم يُحسن الإمساك به، تسلّل من بين الأصابع. هذه المهارة البسيطة، التي تبدو عابرة، هي في حقيقتها حجر الأساس لكل نجاح لاحق، وقد أثبتت الحياة أن كثيراً من المتفوقين دراسياً تعثروا لاحقاً، لا لضعف قدراتهم، بل لسوء إدارتهم لأوقاتهم.

وتأتي المسؤولية كزهرة تنبت في تربة الثقة. حين يُكلف الطالب بمهمة منزلية، أو يُمنح فرصة اتخاذ قرار بسيط، كتنظيم يومه أو المشاركة في عمل تطوعي، يشعر لأول مرة أنه ليس متلقياً فقط، بل فاعلاً ومؤثراً. كم من طالب تغيّر سلوكه بعد تجربة تطوعية قصيرة في الإجازة، فصار أكثر وعيًا بقيمة الجهد، وأكثر تقديراً لما بين يديه، لأن الحياة هي أعظم معلم حين نسمح لها بذلك.

أما المهارات الاجتماعية، فهي تُصقل في المجالس العائلية، وفي السفر، وفي الحوار اليومي البسيط. هناك، يتعلّم الطالب كيف يُنصت قبل أن يتكلم، وكيف يختلف دون خصام، وكيف يعبّر عن رأيه دون أن يجرح غيره. هذه المهارات، التي لا تُقاس بدرجات، ولا تُدوَّن في الشهادات، هي ما يصنع لاحقاً موظفاً ناجحاً، وقائداً متزناً، وإنساناً قادراً على التعايش مع الآخر.

وفي فسحة الإجازة، يقترب الطالب من ذاته أكثر. يجرّب الرسم، أو الكتابة، أو التصوير، أو الرياضة، وربما يكتشف موهبة كانت مختبئة خلف كثافة الواجبات. كم من شغف وُلد في إجازة، وكم من مسار مهني بدأ كهواية بريئة في وقت فراغ! فالإجازة ليست ترفاً، بل مختبراً صامتاً لاكتشاف الذات.

ولا يمكن إغفال الدور العميق للإجازة في دعم الصحة النفسية للطالب. فالعقل المرهق لا يُبدع، والنفس المثقلة لا تتعلّم. حين يُمنح الطالب فرصة للراحة، والضحك، والتواصل الإنساني، يعود إلى مدرسته أكثر استعدادًا، وأكثر اتزاناً، وأكثر قدرة على العطاء. وكما تُشحذ الأدوات بعد طول استعمال، تُشحذ الهمم بالراحة الواعية لا بالضغط المستمر.

غير أن الإجازة، رغم كل ما تحمله من فرص، قد تنقلب إلى فراغ قاتل إن تُركت بلا توجيه. وهنا تتجلى مسؤولية الأسرة، لا في فرض جداول صارمة تُشبه أيام الدراسة، ولا في ترك الحبل على الغارب، بل في صناعة توازن ذكي بين الحرية والمتابعة، بين الثقة والتوجيه. فالتربية الحقيقية لا تتوقف عند باب المدرسة، بل تبدأ حين يغيب الرقيب الخارجي.

إننا بحاجة إلى إعادة تعريف الإجازة في وعينا التربوي؛ فهي ليست انسحاباً مؤقتاً من التعليم، بل انتقالاً إلى تعلّم أعمق، تعلّم الحياة نفسها. ففي الإجازة، قد لا يحفظ الطالب درساً جديداً، لكنه يتعلّم كيف يكون إنسانًا أكثر وعياً، وأكثر نضجاً، وأكثر استعداداً لمواجهة العالم.فالمناهج تُعلّم كيف ننجح في الاختبار، أما الإجازة... فتُعلّم كيف ننجح في الحياة.

- مستشار تربوي