منال كويتان

لا يأتي شهر رمضان ليوقف حركة الحياة، بل ليعيد ضبط بوصلتها. ففي هذا الشهر، لا يُقاس الوقت بطوله، بل بعمقه، ولا تُقاس الأيام بكثافتها، بل بما تتركه في النفس من أثر. وهنا، يقف الطالب عند نقطة التقاء دقيقة؛ حيث تسمو الروح، ويُختبر في الوقت ذاته وعيه بالإنجاز والمسؤولية.

في صباح رمضاني هادئ، يجلس طالب على مكتبه بعد صلاة الفجر. لا ضجيج في المنزل، ولا إشعارات هاتف تسرق انتباهه. يفتح كتابه، لا بدافع الواجب فقط، بل لأن ذهنه في أعلى درجات الصفاء. بعد ساعة واحدة، ينجز ما كان يحتاج في أيام أخرى إلى ثلاث ساعات. هذا المشهد البسيط يتكرر كل عام، لكنه لا يُلتفت إليه كثيرًا، رغم أنه يحمل رسالة واضحة: شهر رمضان لا يقلل القدرة على التعلم، بل يعيد تعريفها.

في المقابل، نرى طالباً آخر يرهق نفسه بالسهر الطويل، يخلط بين العبادة والتعب، وبين الاجتهاد والإجهاد. يظن أن السهر حتى الفجر علامة حرص، فإذا به يستقبل نهاره بكسل ذهني وتشوش. هنا لا يكون الخلل في شهر رمضان، بل في فهمه. فالشهر الفضيل لا يدعو إلى إنهاك الجسد، بل إلى تهذيبه، ولا إلى فوضى الوقت، بل إلى ضبطه.

وتأتي الأسرة لتكون العامل الفارق بين التجربتين. فبيت يخطط ليومه الرمضاني، يراعي أوقات النوم، ويخفف من ضغط العزائم والمهام الثانوية، هو بيت يمنح الطالب فرصة للنجاح بهدوء. وكم من طالب تفوّق في رمضان لا لأنه أذكى، بل لأن أسرته فهمت طبيعة الشهر، فصنعت له بيئة متوازنة تحمي تركيزه وتدعم روحه. أما في المدرسة، فتظهر مشاهد أخرى لا تقل دلالة. معلم يلاحظ تراجع طاقة الطلبة في الحصة الأخيرة، فيغيّر أسلوبه، ويختصر الشرح، ويحوّل الدرس إلى حوار ذهني خفيف يحفّز التفكير دون إرهاق. ومعلم آخر يصرّ على الوتيرة ذاتها، غير مدرك أن الحكمة التربوية لا تعني التنازل عن الهدف، بل تغيير الطريق المؤدي إليه. الفارق بين الموقفين ليس في المنهج، بل في الوعي التربوي.

إن التحصيل العلمي في شهر رمضان لا يُقاس بعدد الصفحات المحفوظة، بل بقدرة الطالب على الاستمرار بثبات.

ومن الشواهد المتكررة أن كثيرًا من الطلبة يخرجون من شهر رمضان بقدرة أعلى على التحكم في شهواتهم، وفي مقدمتها شهوة التسويف. فالصيام الذي يعلّم الامتناع عن المباح، يزرع في النفس قوة داخلية، إذا أُحسن توجيهها، انعكست على الالتزام الدراسي والانضباط الذاتي.شهر رمضان، في جوهره، لا يطلب من الطالب أن يكون خارقاً، بل أن يكون واعياً. واعياً بأن العلم عبادة حين تُؤدّى بإخلاص، وأن التفوق لا يتعارض مع السكينة.

وفي ختام هذا التأمل، لا يبقى أجمل من أن نرفع الدعاء، وقد اتّضحت الرؤية، واستقر المعنى، بأن شهر رمضان ليس مفترق طرق بين الروح والإنجاز، بل مساحة يلتقي فيها الاثنان على هدى ووعي: «اللهم بلّغنا شهر رمضان بقلوب مطمئنة، وعقول واعية، وهمم لا تفتر، واجعل لنا في أيامه سموًّا في الروح، وتوفيقًا في السعي، وبركةً في العلم والعمل، وحقّق لنا فيه ما نتمنى وما هو خير لنا».

* مستشار تربوي