في زمنٍ أصبحت فيه حياتنا تدور حول الأجهزة الذكية ولا يكاد يمرّ يوم دون أن نقضي ساعات طويلة على مواقع التواصل الاجتماع. يأتي شهر رمضان المبارك ليكون محطةً روحية وفرصة نادرة لإعادة التوازن إلى أرواحنا وحياتنا اليومية. فرغم ارتباط رمضان في أذهان الكثيرين بالصيام والعبادة إلا أنه في جوهره أيضاً دعوة للتغيير الإيجابي ومجال واسع لإعادة ترتيب أولوياتنا والعودة إلى ذواتنا بعيداً عن الضوضاء الرقمية.
هذا الشهر الكريم بما يحمله من أجواء إيمانية وسكينة داخلية يمنحنا قوة معنوية كبيرة تساعدنا على كسر عادات سلبية طالما حاولنا التخلص منها. وإن من أبرز هذه العادات في زمننا المعاصر (الإدمان الإلكتروني) الذي بات يستهلك أوقاتنا وطاقاتنا النفسية ويبعدنا عن التواصل الحقيقي مع من حولنا. فكم من لحظة جميلة ضاعت لأننا كنّا منشغلين بشاشة هاتف وكم من صلاة فقدت خشوعها بسبب إشعار مفاجئ من تطبيق رقمي وكم من علاقة إنسانية تدمرت بسبب الانشغال بالعالم الافتراضي.
رمضان فرصة حقيقية لإعادة الحسابات ولنسأل أنفسنا: هل فعلاً نستخدم التقنية لما ينفع؟ أم أصبحنا أسرى لأجهزة تُوجّه وعينا وتشكّل نظرتنا للواقع؟ لقد آن الأوان أن نغتنم هذه الفرصة لنخفف من استخدامنا اليومي وأن نخصص وقتاً أكثر للقرآن والدعاء وصلة الرحم وأعمال الخير فهي أثمن وأبقى من مقطع عابر أو منشور سريع الزوال.
ولعل أخطر ما في هذا الإدمان الرقمي أن جزءاً كبيراً من المحتوى الذي نستهلكه لا يقدّم الحقيقة بل يروّج لمظاهر وهمية وزائفة والكثير من الحسابات المؤثرة أصبحت تمارس نوعاً من التضليل عبر انتقاء صور وعبارات تخدم مصالح معينة أو تُظهر واقعاً غير موجود، ما يؤثر في تصورات الشباب ويخلق لديهم شعوراً بالنقص أو التشتت أو المقارنة غير العادلة. من هنا تأتي أهمية تقليل الاعتماد على هذه المنصات ليس فقط من باب التخفيف، بل من باب حماية العقل والنفس من التزييف والتشويش.
ما نبدؤه في رمضان (لا يجب أن ينتهي بانتهاء الشهر) بل يجب أن نواصل هذا المسار الواعي حتى يصبح أسلوب حياة وأن نستخدم التقنية بوعي وأن نتابع ما يفيدنا وأن نمنح أنفسنا فترات راحة رقمية منتظمة. هي خطوات بسيطة ولكنها كفيلة بإحداث فرق كبير في حياتنا الشخصية والنفسية والاجتماعية.
وفي الختام: لعل أجمل ما يُقال في هذا السياق: «رمضان لا يغيّرنا بقدر ما يُظهر لنا أننا قادرون على تغيير أنفسنا».فلنجعل من هذا الشهر انطلاقة نحو تحرير الذات من عبودية الشاشة واكتشاف متعة الحياة الواقعية وقيمة الوقت.ودمتم سالمين..
* باحثة في الإعلام الرقمي وتكنولوجيا الاتصال