سماهر سيف اليزل

  • - التكنولوجيا تدخل تفاصيل اليوم الرمضاني وتُغيّر أنماط العبادة والعمل والتواصل
  • - جيل التطبيقات يعيش رمضان بأدوات رقمية والتحدي بالموازنة بين الشاشة والروحانية
  • - الذكاء الاصطناعي والتطبيقات سهّلت العبادة والعمل لكنها تهدد دفء اللقاء العائلي
  • - التحول الرقمي في رمضان.. أدوات ذكية تدعم العبادة والعمل وتختبر التوازن الأسري

لم تعد تفاصيل اليوم الرمضاني كما كانت قبل عقدين أو ثلاثة، فالتطبيقات الذكية دخلت كل بيت وأصبحت جزءاً من مواعيد السحور والإفطار والعمل وصلة الرحم. وبين من يرى فيها تسهيلاً يعزز روح الشهر، ومن يخشى أن تنتزع دفء اللحظة، تتعدد الآراء حول أثر التكنولوجيا على عادات رمضان بين الأجيال.

وحول الفروقات وتدخل التقنية، قالت شيخة الزايد إن التكنولوجيا أعادت صياغة يوم الصائم المعاصر عبر تحويل الأدوات الرقمية إلى «مساعد شخصي» يعزز الإنتاجية ويخفف العناء الجسدي، سواء عبر تقنيات إدارة الوقت أو حلول الذكاء الاصطناعي التي تختصر الجهد الذهني، ورغم أن هذه التطبيقات قد تفرض نوعاً من التشتت الرقمي وتزيد من ضغوط المقارنات الاجتماعية، إلا أنها في المقابل عمّقت تجربة العبادة ويسّرت صلة الرحم العابرة للقارات، وبذلك، لم تلغِ التكنولوجيا قدسية «لمة السفرة» أو روحانية الشهر، بل جعلت ممارسة الشعائر والتقاليد أكثر كفاءة وملاءمة لنمط الحياة الحديث، مع بقاء التحدي الحقيقي في قدرة الفرد على موازنة اتصاله بالشاشة مع اتصاله الإنساني بمن حوله.

فيما يقول د. حسن السيد جلال الموسوي: لم يعد شهر رمضان الفضيل كما كان قبل عقدين أو ثلاثة، ليس لأن الشهر تغيّر، فهو باقٍ في قدسيته ودفئه، ولكن لأننا نحن الذين تغيّرنا، تغيّرت إيقاعات حياتنا، وتبدّلت أدواتنا، وتسلّلت التقنية إلى تفاصيل يومنا تسلّل الضوء إلى الفجر.جيل اليوم يعيش رمضان في زمن التطبيقات الذكية، الهاتف المحمول لم يعد مجرد وسيلة اتصال، بل أصبح منبّه السحور، ومؤذن الصلاة، ودفتر الملاحظات، ومذكّر ختمة القرآن، بل وحتى منصة لصلة الرحم، بضغطة زر يمكن للمرء أن يعرف مواقيت الصلاة بدقة، ويتابع درساً دينياً مباشراً، أو يتبرع لجمعية خيرية، أو يشارك في حملة تطوعية دون أن يغادر مكانه.

التكنولوجيا سهّلت الكثير، خصوصاً في جانب العمل والدراسة. الموظف يستطيع إدارة اجتماعاته عن بُعد، والطالب يتابع محاضراته إلكترونيًا، وتُنظَّم الجداول بما يتناسب مع أوقات الصيام والطاقة المتغيّرة خلال النهار، حتى تطبيقات تنظيم النوم والتغذية باتت تساعد الصائم على إدارة وقته وصحته بصورة أفضل، في شهر تتبدل فيه الساعة البيولوجية وتختلف فيه العادات.

ويضيف: لكن السؤال الأعمق: هل أثّرت هذه التطبيقات على روح رمضان؟

الحقيقة أن التقنية في ذاتها ليست خصماً للروحانية، لكنها قد تصبح كذلك إذا أسأنا استخدامها، ما يؤخذ على جيل اليوم ليس استخدامه للتطبيقات، بل الإفراط الذي يحوّل التجربة الروحية إلى حضور جسدي وانشغال ذهني. كم من سفرة إفطار اجتمع حولها أفراد الأسرة، لكن كل واحد منهم منشغل بشاشته؟ وكم من ليلة رمضانية كان يمكن أن تُملأ بحديث الأهل، فإذا بها تُختصر في تمرير سريع على منصات التواصل؟

رمضان قديماً كان يقوم على البساطة: اجتماع الأسرة، صوت الملاعق على الأطباق، دعاء الأب، وابتسامة الأم، وأحاديث تمتد حتى السحور. اليوم ما زالت السفرة قائمة، لكن التحدي أن نحافظ على روحها. التكنولوجيا لا تمنع «لَمّة السفرة»، لكنها قد تسرق دفئها إن لم ننتبه.

في المقابل، لا يمكن إنكار الوجه المشرق للتطبيقات الذكية، فقد قرّبت المسافات بين الأقارب، وفتحت أبوابًا واسعة للعلم الشرعي والصحي والاجتماعي. حتى المبادرات الشبابية الرمضانية باتت تُنظَّم بكفاءة أعلى عبر المنصات الرقمية، مما عزّز العمل التطوعي وسرّع وصول الخير إلى مستحقيه. جيل التطبيقات ليس أقل روحانية، بل يعبّر عن روحانيته بأدوات مختلفة، هو جيل يتصدق إلكترونياً، ويتعلم عبر البث المباشر، ويتواصل بالصوت والصورة. التحدي الحقيقي ليس في الأدوات، بل في التوازن.. أن نبقي التقنية خادمة للقيم، لا بديلاً عنها.

رمضان سيظل في مملكة البحرين شهر التراحم والتكافل، شهر المجالس والسفر العامرة، وشهر الأحياء التي تنبض بالحياة بعد الإفطار. وما بين دفء “الفريج” وسرعة الإنترنت، يبقى القرار بأيدينا: أن نجعل التكنولوجيا خادمةً لروح رمضان، لا منافساً لها.

فالمسألة ليست صراعاً بين قديمٍ وجديد، بل حفاظٌ على الجوهر مع تجديد الوسيلة. وفي مملكة البحرين، حيث يتعانق الأصالة مع التطور، يبقى رمضان مناسبةً نستعيد فيها إنسانيتنا، ونراجع فيها علاقتنا بأنفسنا، وبأهلنا، وبخالقنا.

فيما يؤكد د. عبدالله عيسى حاجي أنه لم يكن أحد يتخيّل أن يصبح الهاتف الذكي جزءاً من تفاصيل رمضان اليومية، فاليوم، نعرف موعد الإفطار عبر إشعار، ونتابع الخطب عبر بث مباشر، وندفع زكاتنا بضغطة زر، حيث إن التكنولوجيا دخلت بيوتنا، ومائدتنا، وحتى عبادتنا.وأضاف: لاشك أن التطبيقات الذكية سهّلت علينا الكثير. الموظف يستطيع إنجاز عمله عن بُعد، والطالب يحضر محاضرته إلكترونيًا، والأسرة تطلب احتياجاتها دون عناء. بل إن المحتوى الديني أصبح في متناول الجميع، في أي وقت ومن أي مكان.

ومع ذلك، نشهد مشهداً متكرراً: أسرة مجتمعة على مائدة الإفطار، لكن كل فرد ينظر إلى شاشته. هنا لا تكون المشكلة في التقنية، بل في غياب الوعي.

ويضيف: روح رمضان لا تُقاس بعدد التطبيقات، بل بعمق التواصل، وحرارة اللقاء، وصدق النية.

في رأيي، رمضان لم يفقد روحه، لكنه يختبرنا. يختبر قدرتنا على الموازنة بين الحداثة والأصالة. مازالت «لمة السفرة» موجودة، ومازالت المجالس عامرة، ومازال الخير متدفقاً — وربما أكثر من السابق بفضل سهولة العطاء الإلكتروني.

التكنولوجيا ليست عدوًا لرمضان، بل هي أداة، إن أحسنا استخدامها، عززت القيم، وإن أسأنا، سرقت اللحظة.

من جانبه يقول يونس مجيد عبدالعال: يشهد شهر رمضان المبارك في مملكة البحرين، كما في باقي المجتمعات الخليجية، تحولاً ملحوظاً مع ظهور الأجيال الجديدة وانتشار التطبيقات الذكية التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، وبينما لاتزال القيم الروحية والاجتماعية حاضرة وبقوة، فإن طريقة ممارسة العادات الرمضانية تطورت بشكل واضح نتيجة للتقدم التكنولوجي.

أحد أبرز التغييرات يتمثل في اعتماد الشباب على التطبيقات الذكية لتنظيم يومهم، فقد أصبحت تطبيقات تحديد أوقات الصلاة، والتذكير بالإفطار والسحور، وتطبيقات القرآن الكريم والأذكار أدوات أساسية تساعد على تعزيز الجانب الروحاني بطريقة سهلة وسريعة، كما ساهمت تطبيقات توصيل الطعام والتسوق الإلكتروني في تقليل الجهد المبذول خلال الصيام، مما أتاح للأفراد وقتًا أكبر للعبادة أو الاجتماع مع العائلة.

أما في جانب العمل والدراسة، فقد وفرت التكنولوجيا مرونة غير مسبوقة خلال شهر الخير، كالاجتماعات الافتراضية، والعمل عن بُعد، والمنصات التعليمية الإلكترونية ساعدت الكثيرين في إدارة وقتهم بما يتناسب مع طبيعة الشهر، خاصة في مجتمع البحرين الذي يشهد وتيرة عمل سريعة وتنوعاً مهنياً واسعاً، هذا التوازن بين الالتزامات المهنية والروحانية أصبح أسهل بفضل الأدوات الرقمية.

ورغم المخاوف من أن تؤثر التطبيقات الذكية على روح رمضان التقليدية، إلا أن الواقع يظهر مزيجاً متوازنًا بين الحداثة والأصالة، فمازالت «لمة السفرة» تجمع العائلات البحرينية على الإفطار، وتستمر المجالس الرمضانية والزيارات الاجتماعية ومجالس الذكر في القرى البحرينية والمدن كجزء أصيل من الثقافة المحلية، بل إن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت أحيانًا في تعزيز هذه الروابط عبر تسهيل الدعوات والتنسيق بين الأقارب والأصدقاء.

إن الأجيال الجديدة لم تتخلَّ عن روح شهر الخير والمغفرة، بل أعادت تشكيلها بما يتناسب مع العصر الرقمي الحديث، فالتكنولوجيا لم تُلغِ العادات القديمة، بل أعادت صياغتها بطريقة حديثة تحافظ على جوهر الشهر الكريم، من وجهة نظري، مع مواكبة متطلبات الحياة المعاصرة في مملكة البحرين.