سماهر سيف اليزل

«التصالح مع الذات» الخطوة الأولى لكسر دائرة الإفراط

«الكورتيزول» يزيد تخزين الدهون ويحفّز الرغبة في السكريات

قاعدة الـ10 دقائق لحركة خفيفة تكسر الخمول بعد الأكل

تجويع اليوم التالي يربك إشارات الجوع ويزيد احتمالات النهم

الاستمرارية والرحمة مع النفس أساس التوازن في رمضان

تتكرر لدى كثير من الصائمين حالة من الثقل الجسدي والنفسي بعد الإفطار في شهر رمضان، وغالباً ما تترافق مع موجة من تأنيب الضمير بسبب الإفراط في تناول الطعام.

هذه الحالة، التي قد تبدو عابرة، تحمل أبعاداً نفسية وفسيولوجية تؤثر في المزاج والسلوك الغذائي خلال الشهر الفضيل.

وفي هذا السياق، يوضح أخصائي تعزيز الصحة والتغذية محمود الشواي أن المشكلة الحقيقية ليست في اللقمة الزائدة، بل في طريقة تعاملنا النفسية معها.

وأكد الشواي أن كثيرين يمرون بلحظة مشتركة بعد الإفطار، حيث يظهر شعور بالثقل «ليس في البطن فقط، بل في الروح أيضاً»، على حد وصفه، موضحاً أن هذه اللحظة كثيراً ما تتحول إلى ما سماه «حفلة جلد الذات» التي تبدأ بعبارات قاسية مثل: «ليش خربتها؟» أو «ما عندي إرادة».

وحذر الشواي من أن هذا الأسلوب في التعامل مع النفس يأتي بنتائج عكسية تماماً، مبيناً أن شعور الذنب الحاد يرفع مستويات هرمون التوتر «الكورتيزول» في الجسم.

ويضيف: «هذا الهرمون مرتبط بشكل مباشر بزيادة تخزين الدهون، خصوصاً في منطقة البطن، كما أنه يدفع الجسم لطلب السكريات بسرعة لتعويض تراجع المزاج».

وأشار إلى أن المفارقة تكمن في أن الشخص، وهو يحاول معاقبة نفسه نفسياً، يدخل فعلياً في دائرة تزيد من احتمالية الإفراط لاحقاً، ما يحول الموقف البسيط إلى حلقة متكررة من التوتر والأكل العاطفي.

وشدد الشواي على أن الخطوة الأولى للخروج من هذه الدوامة هي «التصالح مع الذات»، موضحاً أن الاعتراف الهادئ بما حدث كافٍ لإيقاف التصعيد النفسي.

ويقول: «اللي صار صار، لقمة زيادة لا تعني فشل الخطة الغذائية ولا ضعف الإرادة».

وأضاف أن النظرة الواقعية للسلوك الغذائي خلال رمضان تساعد على الاستمرارية، بينما المثالية المفرطة غالباً ما تقود إلى الإحباط السريع.

ومن الحلول العملية التي أوصي بها الشواي ما يسميه «قاعدة الـ10 دقائق»، حيث ينصح بعدم الاستسلام للخمول بعد الإفطار مباشرة، بل القيام بأي حركة خفيفة لمدة قصيرة، موضحاً أن الحركة، حتى لو كانت بسيطة داخل البيت، تكسر حدة الشعور بالفشل، وتساعد الجسم على استعادة نشاطه تدريجياً.

واقترح أن تشمل هذه الحركة ترتيب السفرة، غسل الصحون، أو المشي الخفيف في المنزل، مؤكداً أن الهدف ليس الحرق العالي للسعرات بل كسر الجمود الجسدي والنفسي.

كما حذّر الشواي من خطأ شائع يقع فيه البعض، وهو محاولة «معاقبة» النفس في اليوم التالي عبر تقليل الطعام بشكل مفرط، مؤكداً أن هذا السلوك يربك إشارات الجوع والشبع في الجسم، وقد يقود إلى نوبات إفراط لاحقة.

وقال: «لا تحاول تجوّع نفسك في اليوم التالي كتعويض، الأفضل هو العودة فوراً إلى روتينك الطبيعي المتوازن»، مشدداً على أن الاستمرارية أهم بكثير من المثالية المؤقتة.

وأكد أن رحلة العناية بالصحة في رمضان «ليست سباقاً قصيراً بل مسار طويل قائم على التوازن».

وأضاف: «أنت إنسان ولست آلة، والخطأ في وجبة واحدة لا يلغي كل جهودك».

ودعا إلى تبنّي قدر أكبر من الرحمة مع الذات خلال الشهر الفضيل، قائلاً إن الحفاظ على الروحانية والاعتدال النفسي لا يقل أهمية عن ضبط كميات الطعام، مؤكداً أن التسامح مع النفس والاستمرار في العادات الصحية هو الطريق الأنجح لعبور رمضان بصحة أفضل وطمأنينة عالية.