د. راشد عبدالرحمن العسيري
إنَّ من محاسن ديننا الإسلامي العظيم ما امتاز به من الرَّحمة والشَّفَقة بالناس جميعًا، ونحن في أيام هذا الشهر، شهر الخيرات والبركات، شهر المغفرة والرحمات من رب الأرض والسموات، نجد أنَّ أبواب الخيرات كثيرة ومُفتَّحة، والنفوس في هذا الشهر تتقرب إلى مولاها، وكثير من الناس يحاول جاهدًا أنْ لا يدع بابًا للخير إلّا طَرَقه.
وإنَّ من أبواب الخير في هذا الشهر الكريم، الجُود والإحسان وإطْعام الطعام، فإنَّ له مَزيَّة عظيمة في هذا الشهر، فأجْره عظيم وثوابه جزيل، وخاصة تفطير الصائمين.
وقد ورَد في فضْل ذلك أحاديث عديدة تُبيِّن عِظَم هذا الأمر، فعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن فطَّرَ صائمًا كانَ لَهُ مثلُ أجرِهِ، غيرَ أنَّهُ لا ينقُصُ من أجرِ الصَّائمِ شيئًا».
ويُفْهَم من ذلك أنَّ تفطير الصائمين طاعةٌ من أعظم الطاعات، وقُرْبةٌ منْ أجلِّ القُرُبات، فهو عمٌل يستطيع فعْله كلُّ أحَد، فهو لا يَتطلَّب مبالغ كبيرة من المال، ولا أنواعًا فاخرة من الطعام، وإنّ المولى عزّ وجلّ، جوادٌ كريم، يَقْبل القليل ويُجَازِي عليه الكثير.
ولقد كان السلف الصالح - رحمهم الله - يحرصون على تفطير الصائمين، فلقد كان مواساة الفقراء والمُعْوزين سمةً غالبةً لهم مع قِلَّة ما كانوا يمْلكونه، وقد ضربُوا أروع الصور في ذلك:
- فقد كان عبدالله بن عمر رضي الله عنه يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين، وكان إذا جاء سائل وهو على طعامه، أخذ نصيبه من الطعام وأعطاه إياه، فيرجع وقد أكل أهله ما بقى في الإناء، فيصبح صائما ولم يأكل شيئًا.
- وكان الحسن رضي الله عنه يُطعم إخوانه وهو صائم تَطوُّعًا.
- كان حمّاد بن أبي سليمان يفطِّر كلّ ليلة في شهر رمضان خمسين إنسانًا، فإذا كان ليلة الفطر كساهم ثوبًا ثوبًا.
- وجاء سائل إلى الإمام أحمد فدفَع إليه رغيفين كان يُعدُّهما لفِطْره ثمَّ طوَى وأصبح صائمًا.
وما زالت هذه ولله الحمد سنةً قائمةً، وعادةً مُتَعارَفة، ينشأ عليها الناس جيلًا بعد جيل.
لذا فإنَّ المساهمة بتفطير الصائمين عملٌ يُشْعِر المسلم بتكاتفه مع غيره، ويسدُّ بابًا عظيمًا يشغل بال كثير من المُعْوزين، فكم في مجتمعاتنا من لا يجد ما يفْطر عليه، فلو رفَع كلٌّ منّا طبقًا ممَّا يأكله في بيته وقدَّمه إلى فقير أو مسكين، أو أسْهم في مشاريع الإفطار كان ذلك مساهمة في إعانتهم والتخفيف عنهم.
ويكفي أنْ نتأمَّل موائد الإفطار والتي يجتمع عليها الصائمون، ونرى فرْحتَهم ودعاءَهم لمن يسَّر لهم هذا الأمر، فليكن لنا نصيب من هذه الأجور.
* أستاذ الفقه بجامعة البحرين