حنان الخلفان

لم يعد رمضان عند البعض شهر السكينة كما عرفناه، بل موسماً آخر للعرض الاجتماعي. تتضاعف الزينة على الأبواب، تتسابق البيوت في الأضواء، وتُصرف مبالغ كبيرة على تفاصيل تعيش أياماً قليلة ثم تختفي... وكأن قيمة الشهر تُقاس بما نعلّقه على الجدران لا بما نبنيه في داخلنا. المشكلة ليست في الفرح، بل في الطريقة التي حوّلنا بها الفرح إلى استهلاك، وفي اعتقادٍ صامت بأن المظاهر قادرة على أن تعوّض غياب المعنى.

في زمنٍ ترتفع فيه تكاليف الحياة، يصبح مشهد التبذير الرمضاني أكثر إيلاماً. أسرٌ تحسب مصروفها اليومي بدقة، وأخرى تندفع خلف موجة موسمية من الزينة والمشتريات فقط لتواكب صورة مثالية لا تشبه واقعها. هنا لا يعود الأمر مجرد خيار شخصي، بل يتحوّل إلى ضغط اجتماعي غير معلن؛ من يضيء أكثر، من يقدّم مائدة أفخم، ومن يثبت أن بيته «الأجمل». وبين هذا السباق الصامت، تضيع البساطة التي كانت تمنح رمضان روحه الحقيقية.

ربما أكثر ما فقدناه هو حلاوة التفاصيل الصغيرة. كانت الخطوات نحو المسجد جزءاً من إيقاع الليل، وكان صوت السلام بعد التراويح يحمل دفئاً لا يمكن شراؤه. اليوم، تراجع حضور المساجد عند البعض لصالح جداول مزدحمة بتجهيزات شكلية، وكأننا استبدلنا نور الصفوف الأولى بأضواء مؤقتة لا تعيش طويلًا. ليس الحنين إلى الماضي ضعفاً، بل محاولة لاستعادة توازن اختلّ حين أصبح الخارج أكثر حضوراً من الداخل.

ولعلّ التحوّل الأكبر يظهر في شكل اللقاءات الاجتماعية. أصبحت بعض «الغبقات» لدى البعض موعداً لا يمكن التفريط فيه، بينما تراجعت زيارات صلة الرحم إلى الهامش إن بقي لها مكان أصلاً. تحوّلت اللقاءات من مساحة للدفء الحقيقي إلى مناسبات سريعة تُدار بروح الاستعراض؛ صور تُلتقط، ومجاملات تُقال، ثم ينتهي كل شيء بانتهاء السهرة. ليست المشكلة في الغبقات بحد ذاتها، فهي جزء جميل من ثقافتنا، لكن حين تصبح أهم من زيارة أمٍّ تنتظر أبناءها أو قريبٍ لم يسأل عنه أحد منذ أشهر، فإننا لا نحتفل برمضان... بل نعيد صياغته بما يخدم المظهر أكثر من المعنى.

الأطفال لا يتذكرون حجم الزينة ولا عدد الأضواء، بل يتذكرون كيف كنّا هادئين، وكيف جلسنا معهم دون استعجال، وكيف كان البيت يشعرهم بالأمان لا بالتوتر. السعادة التي نحاول صناعتها عبر المظاهر تذوب بسرعة، بينما السعادة التي تُبنى من لحظة صادقة تبقى طويلًا في الذاكرة. ربما حان الوقت أن نعترف بأن بعض ما نفعله باسم الأجواء الرمضانية ليس سوى محاولة للهروب من الفراغ الداخلي بضجيجٍ خارجي مؤقت.

رمضان لم يكن يوماً مشروعاً استهلاكياً، ولم يكن سباقاً لالتقاط الصور أو لإثبات حضور اجتماعي عابر. هو مساحة لإعادة ترتيب الأولويات، وللتخفيف من الزائد لا التكدّس فيه. حين نقلّل من الضجيج حولنا، نسمع صوت المعنى بوضوح أكبر؛ في طريقٍ هادئ نحو المسجد، في زيارة رحم بلا موعد مسبق، وفي كلمة طيبة تُقال دون أن تُنشر على منصات التواصل.

ليست الدعوة إلى إلغاء الفرح ولا إلى إطفاء الزينة، بل إلى أن نعيد تعريف الجمال نفسه. أن نسأل أنفسنا بصدق: ماذا نريد أن يبقى بعد أن ينتهي الشهر؟ أضواء تنطفئ سريعاً، أم علاقات تتجدد بهدوء؟ صورٌ تلمع لثوانٍ، أم ذكريات تبقى لسنوات؟ لأن السعادة التي تُشترى تنتهي بانتهاء الموسم، أما السعادة التي تُبنى داخل البيت فتظل حاضرة... حتى بعد أن يرحل الهلال.