منذ سنوات لم يعد شهر رمضان كما عرفناه في طفولتنا؛ شهراً يهدأ فيه الإيقاع، وتصفو فيه النفوس، وتعلو فيه أصوات القرآن على أصوات المسلسلات. تحوّل الشهر الكريم تدريجياً من موسم عبادة وتزكية إلى موسم اجتماعي صاخب يمتد ثلاثين يوماً، تُضاء فيه الخيم الرمضانية، وتتعدد العزائم، وتُستعرض الأزياء، وكأننا أمام احتفال ممتد لا ينتهي، بينما جوهر الصيام يبهت شيئاً فشيئاً. لم يشرع الله الصيام لنُبدّل أوقات الطعام فحسب، بل لنُبدّل القلوب. قال تعالى: «لعلكم تتقون»، فجعل الغاية تقوى، لا موائد عامرة ولا صوراً متداولة على منصات التواصل. لكننا اليوم نشهد مفارقة مؤلمة؛ فبدل أن يكون رمضان فرصة لترك العادات السيئة، صار عند البعض موسماً لاستهلاك مضاعف، وسهرٍ طويل، وإنفاقٍ يفوق القدرة، حتى أرهق ميزانيات الأسر وأفقد الشهر روحه.
انتشرت الخيم الرمضانية التي تُسوَّق باعتبارها أجواءً روحانية، بينما يغلب عليها الطابع الاستهلاكي الصاخب. وتكاثرت العزائم اليومية حتى أصبح من المعتاد أن ينتقل البعض من مائدة إلى أخرى، في سباق غير معلن لإظهار الكرم أو الوجاهة الاجتماعية. وتحولت الملابس إلى «موضة رمضانية» لها ألوانها وتصاميمها الخاصة، وكأن الشهر الكريم عرض أزياء موسمي. كل ذلك يعكس انتقال البوصلة من الداخل إلى الخارج، من العبادة إلى المظهر.
وإذا تأملنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، وجدنا صورة مغايرة تماماً. كان الشهر عنده موسم اجتهاد مضاعف في العبادة، وجودٍ في العطاء، وتخففٍ من متاع الدنيا. لم يكن شهر مظاهر، بل شهر مخابر؛ لم يكن شهر زينة خارجية، بل زينة قلب. كان إذا دخل العشر الأواخر شدّ مئزره، وأيقظ أهله، وأحيا ليله. أي فرق بين هذا المشهد النوراني، وبين ليالٍ تُقضى أمام الشاشات حتى الفجر ثم نومٍ عن صلاة الصبح؟
المؤلم أن بعضنا بات يتعامل مع رمضان كعيدٍ طويل، بينما العيد في شريعتنا يأتي بعد تمام الصيام، مكافأةً على الاجتهاد. فكيف نجعل أيام العمل الروحي نفسها أيام احتفال دائم؟ وكيف نستبدل ساعات قراءة القرآن بساعات متابعة الدراما، ونستبدل قيام الليل بجلسات سمر لا تنتهي؟لا أحد ينكر أن رمضان شهر تواصل وصلة رحم، وأن الاجتماع على الطعام سنة طيبة تعزز المحبة. لكن الاعتدال هو الفارق بين العبادة والعادة. حين تتحول العزيمة إلى عبء مالي، وحين يصبح الإفطار مناسبة للتفاخر، وحين تُرهق الأم طوال اليوم لإعداد أصناف لا تُؤكل، فنحن أمام خلل في ترتيب الأولويات. الصيام مدرسة في ضبط النفس، لا في إطلاق شهواتها المؤجلة.
لقد أصبح الاستهلاك في رمضان مفارقة لافتة؛ فشهر الجوع الاختياري يتحول إلى ذروة إنفاق سنوية. تُشترى كميات من الطعام تفوق الحاجة، ويُهدر الكثير منها. تُقتنى ملابس جديدة لمجرد أن «رمضان له طابع خاص»، وكأن التقوى تُقاس بلون الثوب لا بنقاء القلب. وهنا نتساءل: أين معنى الزهد؟ أين الإحساس بالفقراء الذي يُفترض أن يولده الجوع في النفس؟
إن أخطر ما في هذا التحول ليس المظاهر ذاتها، بل اعتيادها. حين ينشأ الأطفال وهم يرون رمضان موسم سهر ومسلسلات وعزائم فقط، فإنهم يفقدون الرابط الروحي الذي يجعل من الصيام تجربة إيمانية عميقة. تتحول العبادة إلى خلفية باهتة، وتتصدر الصورة الطقوس الاجتماعية.
نحن بحاجة إلى مراجعة هادئة لا تُحرّم المباح ولا تُصادم الفرح المشروع، لكنها تعيد التوازن. يمكن أن نجتمع دون إسراف، وأن نرتدي الجميل دون مبالغة، وأن نفرح دون أن ننسى لماذا نصوم. يمكن أن نجعل لكل يوم ورداً ثابتاً من القرآن، وأن نحافظ على الصلوات في أوقاتها، وأن نخصص جزءاً من مالنا ووقتنا للصدقة وخدمة الآخرين.
رمضان ليس ثلاثين يوماً نُعلّق فيها الزينة ثم نعود كما كنا. هو فرصة سنوية لإعادة تشكيل علاقتنا بالله وبأنفسنا وبالناس. فإذا خرجنا منه ولم يتغير فينا شيء، فقدنا أعظم ما فيه. وإذا استبدلنا روحه بقشوره، خسرنا المعنى وبقي الشكل.
لعلنا هذا العام نعيد السؤال إلى مكانه الصحيح: ماذا نريد من رمضان؟ أهو مناسبة اجتماعية ممتدة، أم محطة إيمانية تعيد ترتيب أرواحنا؟ بين هذين الخيارين تتحدد قيمة الثلاثين يوماً؛ فإما أن تكون موسماً للسمو، وإما أن تكون أياماً تمضي كما تمضي غيرها، بلا أثرٍ في القلب ولا تغيير في السلوك.