قال الخبير والاستشاري في التربية الخاصة ومدير مركز معاً للتربية الخاصة، د. أسامة أحمد مدبولي، إن اليوم العالمي للأمراض النادرة يوافق اليوم الأخير من شهر فبراير من كل عام، في اختيار رمزي يعكس ندرة هذه الأمراض وقلة انتشارها مقارنة بغيرها، مشيراً إلى أن هذه المناسبة العالمية تتجدد في عام 2026 لتسلط الضوء على واحدة من أكثر القضايا الصحية والإنسانية تعقيداً، والمتمثلة في معاناة ملايين الأشخاص حول العالم الذين يعيشون مع أمراض نادرة غالباً في صمت، وسط تحديات طبية واجتماعية واقتصادية كبيرة.
وأضاف مدبولي أن إحياء اليوم العالمي للأمراض النادرة هذا العام يأتي تحت شعار «المضي قدماً.. التطلع إلى الأمام»، موضحاً أن هذا الشعار يحمل رسالة واضحة مفادها أن الوقت قد حان للانتقال من مجرد التعاطف والوعي النظري إلى إشراك المرضى فعلياً في صياغة الحلول، وتطوير السياسات الصحية، وتوجيه البحث العلمي بما يخدم احتياجاتهم الحقيقية.
وأشار في تصريحات لـ»الوطن»، إلى أن الأمراض النادرة تُعرّف بأنها تلك التي تصيب عدداً محدوداً من الأشخاص مقارنة بإجمالي عدد السكان، لافتاً إلى أن معيار الندرة يختلف من دولة إلى أخرى، حيث يُعرّف المرض النادر في بعض الدول بأنه يصيب أقل من شخص واحد من بين كل 2000 شخص، بينما تعتمد دول أخرى تعريفات رقمية مختلفة، مؤكدًا أنه رغم هذا التفاوت فإن الحقيقة الأبرز تبقى أن الأمراض النادرة، مجتمعة، ليست نادرة على الإطلاق.
وتابع مدبولي أن التقديرات العالمية تشير إلى وجود ما بين 7 آلاف و10 آلاف مرض نادر معروف حتى اليوم، تصيب مجتمعة نحو 300 مليون شخص حول العالم، موضحاً أن الإحصاءات تُظهر أن نحو 80% من هذه الأمراض ذات أسباب وراثية، وأن حوالي 75% منها تصيب الأطفال، فيما يواجه عدد غير قليل من المرضى مخاطر صحية جسيمة قد تهدد حياتهم في سن مبكرة.
وأكد أن أحد أكبر التحديات التي يواجهها مرضى الأمراض النادرة يتمثل في التشخيص المتأخر أو الخاطئ، مبينًا أن كثيرًا من الأسر تقضي سنوات طويلة في التنقل بين الأطباء والمستشفيات قبل الوصول إلى تشخيص دقيق، في رحلة مرهقة نفسياً ومادياً تُعرف أحياناً بـ«رحلة التوهان الطبي»، مرجعاً ذلك إلى ندرة هذه الأمراض، وقلة الخبرة الطبية المتخصصة، وضعف الوعي المجتمعي والمهني بها.
وأوضح أن هذا التأخر في التشخيص لا ينعكس فقط على الحالة الصحية للمريض، بل يؤثر أيضاً في جودة حياته واستقرار أسرته، ويحد من فرص التدخل المبكر الذي قد يساهم في تقليل المضاعفات أو إبطاء تطور المرض.
وأضاف أن العلاجات تمثل تحدياً آخر لا يقل صعوبة، لافتاً إلى أنه حتى اليوم لا تتوفر علاجات معتمدة إلا لنسبة محدودة من الأمراض النادرة، وغالباً ما تكون هذه العلاجات باهظة الثمن نتيجة ارتفاع كلفة البحث والتطوير وقلة عدد المستفيدين منها، مشيرا إلى أن كثيراً من هذه الأدوية يُطلق عليها اسم «الأدوية اليتيمة»، في إشارة إلى محدودية الاستثمار فيها.
وأشار إلى أهمية تبني سياسات صحية عادلة تضمن إدراج علاجات الأمراض النادرة ضمن أنظمة التأمين الصحي، وتوفيرها للمرضى دون أن تتحول الكلفة المالية إلى عبء يستنزف الأسر أو يحرم المرضى من حقهم في العلاج.
وتابع أن شعار اليوم العالمي للأمراض النادرة لعام 2026 يركز على إشراك المرضى بوصفهم شركاء حقيقيين في مسار الرعاية الصحية، موضحًا أن المريض لم يعد مجرد متلقٍ للخدمة، بل أصبح مصدر معرفة وخبرة.
وذكر أن السنوات الأخيرة شهدت على المستوى العربي اهتمامًا متزايدًا بملف الأمراض النادرة. وأكد مدبولي أنه رغم هذه الجهود، لايزال الطريق طويلاً، مشدداً على الحاجة الملحة إلى إنشاء قواعد بيانات وطنية، وتوسيع خدمات الاستشارات الوراثية، وتعزيز التعاون الإقليمي لتبادل الخبرات والموارد.
واختتم تصريحه بالتأكيد على أن توفير التشخيص المبكر، والعلاج المناسب، والدعم النفسي والاجتماعي، والتعليم الدامج، يمثل حقوقًا أساسية لا ينبغي أن تكون رهينة لندرة المرض.