د. أحمد حسين إبراهيم

لعل أبرز وأهم المصطلحات التي نالت رواجاً خلال القرن الواحد والعشرين هو الاستدامة. وقد شهد هذا المصطلح اندماجاً وإشهاراً في العديد من القطاعات والتوجهات التنموية، ولا يستثنى من ذلك المجال الصحي. حيث إن دمج الاستدامة في الرعاية الصحية أو تعزيز صحة المجتمعات لا يمكن اختزالها فقط في كيفية الممارسات أو نوعية السياسات التي تدعم الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية والطاقة، رغم أهميتها العالية، بل إن حقيقتها تمتد نحو تحقيق التوازن بين تلبية الاحتياجات الصحية للأجيال الحالية وضمان توفير الرفاهية الصحية للأجيال المستقبلية، وذلك من خلال إدارة الموارد والخدمات بأعلى مستويات الكفاءة والجودة وتكاليف أقل، وهو ما يمثل جوهر الاستدامة.

ومن جانب آخر، ينظر بعض الباحثين لمفهوم الاستدامة كـ«عملية» بدلاً من حصره كـ«نتيجة»، وهو ما يلزمه القدرة على التكيف والتعلم والتطوير المستمر. في هذا المقال، سيتم تسليط الضوء على الاستدامة في إطار ثلاثة مجالات وهي: تعزيز الصحة، الرعاية الصحية، والابتكار والتطوير الصحي.

أولاً، الاستدامة في تعزيز الصحة من الممكن استيعابها بشكل جيد عندما يتم وضعها في إطار شمولي، حيث المشاريع والبرامج التي تستهدف صحة الأفراد لا يمكن أن تحقق نجاحاً واستمراراً دون أن تكون مبنية على خطط مدروسة، وتنسيق مشترك بين المؤسسات المسؤولة عن صحة المجتمع، وإشراك المجتمع ذاته، وتأمين التمويل المالي، وتهيئة كوادر متمكنة من خلق الأثر الإيجابي. خصوصاً أن التحديات فيها قابلة للتفاقم كالحاجة لزيادة الثقافة الصحية، ومجابهة آفة التعاطي وظاهرة التدخين، وتعديل أنماط وسلوكيات الحياة غير الصحية، وضبط التوازن بين الحياة والعمل. آخذين بعين الاعتبار أن مختلف هذه التحديات تحيطها عوامل اجتماعية وبيئية ذات تأثير مباشر كالاعتمادية على الفضاء الإلكتروني، ومستويات التعليم، والحالة الاقتصادية. إذن، الاستدامة في مبادرات تعزيز الصحة تتطلب التخطيط، التصميم، الإشراك، التطبيق، وتتبع النتائج وقياس الأثر، ويلازم ذلك بناء مقومات أساسية كالتجدد المالي والقيادة الصحية الجديرة.

ثانيًا: الاستدامة الصحية في مجال الرعاية الصحية تشهد تحديات عديدة عالميًا، نظرًا لعوامل متعلقة بتزايد معدلات الأمراض المزمنة، التشيخ السكاني، وارتفاع تكاليف الأدوية والتكنولوجيا الصحية، خصوصاً في ظل تنامي الاستهلاك على الخدمات الصحية. وما يزيد الأمر تعقيداً أن أساليب ونماذج تدعيم الاستدامة والتحكم بها متنوعة ولا تحظى بتوافق من ناحية الفهم، التعريف، النهج، التطبيق والقياس. في دراسة بحثية أجريت في المملكة المتحدة عام 2018 للباحث لينوكس وزملائه، تضمنت مراجعة 62 منشوراً علمياً تناول منهجيات الاستدامة في الرعاية الصحية، اتضح أن الدراسات تشير إلى أن الاستدامة في الرعاية الصحية تتمحور حول خمسة مفاهيم وهي: 1. استمرار أنشطة البرنامج (مثال ذلك استمرارية برامج التطعيم وبرامج الصحة النفسية و إلخ)، 2. استمرار الفوائد الصحية (كالحفاظ على نتائج صحة السكان والتقدم بمؤشرات الصحة العامة)، 3. بناء القدرة (كتعزيز الشراكات والتعاون بين المؤسسات الصحية)، 4. التطوير الإضافي (التكيف) (مثل التغير الإيجابي في أنظمة الرعاية الطويلة تكيفاً مع الأزمات المالية أو ظاهرة شيخوخة السكان)، 5. استرداد التكاليف (كمجابهة الاستهلاك غير الحكيم والمفرط للخدمات الصحية، أو تفعيل نظام الدفع مقابل النتائج لا الخدمة فقط).

وفي سياق موازٍ، تطرقت عضو جمعية أصدقاء الصحة فاطمة النقي عبر مقال لها نشر بصحيفة الوطن البحرينية مع مطلع عام 2026 بعنوان «نعم لكل الاعتبارات والمقومات لبناء مستقبل أكثر استدامة للمستشفيات» لمجموعة من الاستراتيجيات المعززة للاستدامة الصحية للمستشفيات، وهو ما يعزز الفهم الجيد لمنهجيات الاستدامة في الرعاية الصحية.

ثالثاً: الاستدامة في الابتكار والتطوير الصحي، حيث نطاقه واسع وشامل على مستوى الأنظمة الصحية، أو التقنيات التشخيصية، أو تكنولوجيا المعلومات، أو تطوير الدوائيات واللقاحات والعديد من الأوجه. ولكن لإعطاء صورة مختصرة، نتحدث تحديداً عن الابتكار المسؤول في الصحة، حيث إن آثاره المرتقبة تدعم ليس فقط هدف التنمية المستدامة المعني بـ«الصحة الجيدة والرفاه»، ولكن أيضًا أهداف التنمية المستدامة الأخرى. في دراسة أجريت في كندا عام 2018 استندت على منهجية المسح الأفقي عبر الإنترنت، أنشأ الباحثون قائمة بالابتكارات التي تمتلك ميزات مسؤولية معينة بما مجموعه 105 ابتكارات. الجدير بالذكر أنه تم تطوير 43% من هذه الابتكارات المرصودة على يد منظمات غير ربحية وجامعات ومتطوعين، ومن جانب آخر، تصدرت الولايات المتحدة قائمة الإجمالي بنسبة 47%. وتركزت النسب الأعلى للابتكارات لاستهداف القضايا الصحية المتعلقة بحديثي الولادة، والتدعيم الحركي، والأمراض المعدية، ومشاكل الحمل والولادة، واختلالات السمع والرؤية. وفي هذا الصدد، يمكن التأكيد على دور الاستثمار السخي في منظومة الرعاية الصحية، وهو ما تم تفصيله في مقال سابق نشرته العام الماضي في صحيفة «الوطن» البحرينية، كون ذلك يعد عنصراً أساسياً لتحقيق استدامة القطاع الصحي، وخلق النقلات النوعية في مستويات جودة الخدمات الصحية، وتدعيم جودة الحياة لأفراد المجتمع.

ختاماً، لا ينبغي النظر إلى الاستدامة الصحية من بعد واحد، فهي متعددة الأوجه ونطاقها واسع، ويجب التركيز على أحد أهم الركائز لتحقيقها، وهو التحسين المستمر لنظم المعلومات وجمع البيانات وإجراء البحوث العلمية والتطبيقية بغرض توليد المعرفة اللازمة لكل دولة بخصوصيتها وطبيعتها، سعياً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

* عضو مجلس إدارة جمعية أصدقاء الصحة