في خضمّ هذه المرحلة الدقيقة التي تعصف بالمنطقة، وتتصاعد فيها نذر الصراع حتى تكاد تمتحن صلابة الاستقرار، يتجلى معنى الهوية والانتماء بوصفه الفيصل بين صدق الادعاء وحقيقة الموقف، والميزان العادل لتمييز الغثّ من النفيس. فالوطن في زمن الأزمات ليس جغرافيا تُحدها الخرائط، ولا بياناً يُتلى في المحافل، بل هو أمن طفلٍ ينام مطمئناً، وكرامة أسرةٍ تحيا في كنف العزة والاستقرار، وذاكرة تاريخٍ ممتد، وعقد ثقةٍ راسخ بين الدولة وأبنائها.
وحين تضيق الدوائر وتسقط الرماديات، يتحدد الموقف بوضوح؛ فإما وقوفٌ صادق في خندق الوطن، درعاً لا يلين وسيفاً لا ينثني، دفاعاً عنه واستشعاراً أن جرحه جرحٌ في الكيان، وأن أمنه أساس الوجود، وإما انحرافُ بوصلةٍ لا تشير إليه، وخللٌ في المنظومة الأخلاقية قبل الوطنية؛ فالخليج العربي في النهاية جسدٌ واحد ممتد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء.
الأزمات يا كرام لغةٌ شامخة لا يفقهها إلا من صفتهم التجارب ومَحصتهم المحن؛ فيها تتعرى الوجوه وتتمايز الصفوف، ويتجلى معدن الرجال الذي لا يشوبه صدأ، ويُعرف الصادق من المدّعي والمخلص من المتكسب. ففي اللحظات العصيبة التي تشتد فيها المحن، لا يكون الاصطفاف خلف الوطن مجرد رأي مطروح بين عدة آراء، بل حداً فاصلاً وميزاناً دقيقاً يفرق بين معدن الإخلاص وزيغ التخاذل. فالكلمة في خضم الأحداث تحمل وزرها أو تعلو بقدرها، والصمت شاهد لا يجامل، وكل انحيازٍ يُحسب لصاحبه أو عليه.
والوطن ليس مرفأً نلوذ به ساعة الرخاء ثم نغادره عند الخطر؛ بل هو الجذور التي تمدنا بالحياة، والحضن الذي لا يضيق بمن لجأ إليه، والسقف الذي يحفظ كرامتنا. فإذا هبت العواصف وعصفت الرياح، فلن يحمينا من غضبتها إلا تراصنا كالبنيان المرصوص، ولن تصون هيبة الدولة وكرامتنا إلا وحدة الصف التي تجعل منا جسداً واحداً لا تنال منه الخطوب ولا توهن عزيمته الأيام.
الولاء الحقيقي تضحيةٌ تُقدم، ووعيٌ راسخٌ بأن استهداف أي قطرٍ خليجي هو استهدافٌ للجميع، وأن التخاذل اليوم غرقٌ غداً. والوطن حين يُمتحن لا ينتظر إلا صفاً واحداً، وكلمةً مسؤولة، ووعياً يدرك أن قوته في تماسك أبنائه، وهيبته في ثقتهم به. الأزمات تمرّ، لكن آثار التصدّع تطول؛ فمن أراد لوطنه دوام العافية، فليجعل ولاءه واضحاً كالنهار، ثابتاً كالجبل، لا يتبدل بتبدل الرياح ولا يتلون بتلون المصالح.
وإذ نستودع الله أوطاننا الغالية، لا يسعنا في ختام هذا المقام إلا أن نرفع أكفّ الضراعة والابتهال إلى العلي القدير، أن يحفظ بلادنا وبلاد الخليج العربي من كل سوء، وأن يديم علينا نعمة الأمن والوحدة والاستقرار، ويجمع كلمتنا على الحق والخير.