يُعد خُلق العدل من الأخلاق السامية التي دعا إليها دين الإسلام وحث عليها، والعدل خلاف الجور، وهو القصد في الأمور، ويعني: الاستقامة على طريق الحق، واستعمال الأمور في مواضعها، وأوقاتها، ووجوهها، ومقاديرها، من غير سرف، ولا تقصير، ولا تقديم، ولا تأخير، فتعطي من نفسك الواجب وتأخذه.

وللعدل أهمية كبرى في حياة المسلم، فلقد أرسل الله تعالى الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وأنزل معهم ميزان العدل؛ ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، فإذا ظهرت أمارات العدل، فثم شرع الله ودينه.

ولقد أمرت شريعة الإسلام بإقامة العدل وحثت عليه، يقول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون).

كما أخبرَ -سبحانه وتعالى- أنّهُ يحبُّ المقسطين وهم من يتحلون بخلق القسط والعدل، فقال سبحانه: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).

ويبين النبي ﷺ منزلة العدل، وأن من تخلق بهذا الخُلق استحق أن يكون في ظل الله تعالى يوم القيامة، فيقول ﷺ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى في ظِلِّهِ يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: إمَامٌ عَدْلٌ، وشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ اللَّهِ، ورَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، ورَجُلَانِ تَحَابَّا في اللَّهِ، اجْتَمعا عليه وتَفَرَّقَا عليه، ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وجَمَالٍ فَقالَ: إنِّي أَخَافُ اللَّهَ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ فأخْفَاهَا حتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ".

كما أخبرَ النبي ﷺ عنْ كرامتهم عندَ الله تعالى فقال: "إنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ علَى مَنابِرَ مِن نُورٍ، عن يَمِينِ الرَّحْمَنِ عزَّ وجلَّ، وكِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ وأَهْلِيهِمْ وما وَلُوا".

وإن العدل الذي أمر الله به، يشمل العدل في حقه سبحانه؛ بأن يؤدي العبد ما أوجب الله عليه من الحقوق كلها كاملة موفرة.

كذا يشمل العدل في حق عباده، بأن يعامل الخَلق جميعاً بالعدل التام وعدم الجور في حقوقهم حتى مع من كان بينه وبين غيره عداوة أو بغض، فإن العدل مطلب مع كل أحد من الخلق.

ويأتي الصيام ليعزز من مكانة العدل كخلق إسلامي رفيع، من خلال ضبط النفس ومحاسبتها وإلزامها بالعدل وإبعادها عن الظلم بارتكاب الذنوب والمعاصي والسيئات، كما يمنع النفس، ويبعدها عن ظلم الآخرين بأي نوع من أنواع الظلم.

لذا فإن شهر رمضان المبارك مدرسة جامعة للعدل الأخلاقي مع النفس ومع الآخرين، حيث يربي في نفس المؤمن التوازن المطلوب في جميع جوانب حياته، ويضبطها ويقومها للتحكم برغباتها، كما أنه يدفعها للعدل مع الآخرين باحترام حقوقهم وعدم التعدي عليهم؛ فيصبح خُلق العدل جزءاً من منظومة حياة المسلم التي يسعد بتطبيقها وممارستها في الدنيا، وينال بها رضا الله تعالى ومغفرته في الآخرة.

*د. راشد عبدالرحمن العسيري - أستاذ الفقه بجامعة البحرين