في كل أزمة تمر بها الأوطان، يظهر نوعان من الأصوات. صوتٌ يعرفه الناس جيداً، وصوتٌ آخر لا وجه له.الصوت الأول هو صوت المجتمع الحقيقي، صوت البحرينيين الذين يعيشون في هذا الوطن ويعرفون بعضهم بعضاً، تجمعهم البيوت ذاتها والشوارع ذاتها والذكريات ذاتها. أما الصوت الآخر، فهو ذلك الذي يخرج من خلف حسابات لا اسم لها ولا تاريخ، حسابات تتقن إثارة الفتنة أكثر مما تتقن قول الحقيقة.
هذه الحسابات الوهمية ليست جديدة على البحرين. فهي تظهر في مختلف المناسبات، في الأفراح كما في التحديات، محاولةً استغلال أي حدث لبث الشكوك بين أبناء المجتمع. وتظهر معها الأصوات ذاتها من خلف الشاشات؛ حسابات بلا أسماء حقيقية تُدار من الخارج أو من محرضين اعتادوا استخدام الفضاء الرقمي لإثارة الفرقة بين الناس.
الأسلوب قديم، والكلمات تتكرر، لكن البحرينيين أصبحوا أكثر وعياً من أن تنطلي عليهم هذه الحيل. فهم يعرفون جيداً الفرق بين صوتٍ يريد للوطن الخير، وصوتٍ لا يعيش فيه أصلاً.
أما الشيء الثابت في وجدان البحرينيين فهو الثقة في دولتهم وقيادتهم ومؤسساتهم، لكن المشكلة الحقيقية أن هذه الحسابات لا تعرف البحرين جيداً.
البحريني يعرف جاره قبل أن يعرف حسابه في وسائل التواصل، ويدرك أن ما يجمع الناس هنا أعمق بكثير من أن تهزه كلمات عابرة تُكتب خلف شاشة. وفي الوقت الذي تحاول فيه تلك الحسابات زرع القلق، تبقى الحقيقة الأكثر رسوخاً حاضرةً. فالدول تُعرف في الأزمات، والقيادات تُختبر حين تضيق الخيارات.
وما شهدته المنطقة مؤخراً من عدوان آثم حاولت إيران من خلاله استهداف أمن مملكة البحرين لم يكن مجرد خبر عابر، بل لحظة كشفت متانة الدولة البحرينية وقدرتها على التعامل مع التحديات بثبات وهدوء. فالدولة التي بُنيت على مؤسسات راسخة لا ترتبك أمام الضجيج، بل تدير أزماتها بعقل بارد وإرادة واضحة.
وسط كل ذلك، يقف رجال لا تظهر أسماؤهم كثيراً في العناوين، لكن الوطن يعرفهم جيداً. إنهم جنود البحرين البواسل.
هؤلاء الذين يقفون على خطوط الدفاع الأولى لحماية الأرض والناس بضمير يقظ وقلب ثابت. قد لا يراهم الجميع كل يوم، لكن وجودهم هو الطمأنينة التي يستند إليها الوطن. وإلى جانبهم تقف الكوادر الطبية في الصفوف الأولى داخل المستشفيات، تؤدي رسالتها الإنسانية والمهنية بكل إخلاص.
وفي موازاة ذلك، كان للإعلام الوطني حضوره المسؤول في هذه المرحلة، حيث قدمت وزارة الإعلام نموذجاً للإعلام الذي يدرك أن الكلمة في زمن الأزمات مسؤولية قبل أن تكون خبراً، وأن نقل الحقيقة بوعي ومهنية هو أحد أهم خطوط الدفاع عن وعي المجتمع.
غير أن الرسالة الأوضح في تلك اللحظات جاءت من القيادة وهي في الميدان. فحين اختار صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد
آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله ورعاه، أن يكون بين المواطنين، متنقلاً بين المجمعات الطبية للاطمئنان على المصابين ومتجولاً في الأسواق، لم تكن تلك مجرد جولة تُضاف إلى جدول العمل، بل رسالة واضحة يفهمها الناس دون حاجة إلى شرح.
القيادة التي تنزل إلى الميدان في أوقات القلق تقول لشعبها ببساطة: نحن هنا.
رآه المواطنون بينهم، يطمئن على الخدمات الصحية ويتابع تفاصيل الحياة اليومية، فشعروا أن وطنهم قريب منهم كما كان دائماً. تلك اللحظات لا تُقرأ كخبر عابر، بل تبقى في ذاكرة الناس صورةً للقيادة حين تختار أن تكون حيث يجب أن تكون: بين شعبها.وبصراحة.. هكذا بدا المشهد واضحاً.خلف الشاشات، حسابات مجهولة تحاول بث القلق وتزرع الفتنة.وعلى الأرض، وطن يعرفه أبناؤه جيداً، وجنود يحرسونه، وقيادة تمشي بين الناس.وفي البحرين، حين يختلط الضجيج بالحقيقة..يعرف الناس دائماً أين يقفون.
.