يعقوب سامي القوز

تُستخدم كلمة “البروتوكول” عادةً للإشارة إلى القواعد المنظمة للمراسم الرسمية بين الدول: الاستقبالات، الزيارات، الاتفاقيات، والبيانات المشتركة. غير أن “البروتوكوليات” في السياسة الدولية تتجاوز الشكليات؛ فهي أداة تعكس طبيعة العلاقات بين الدول، ومؤشر على مستوى الثقة والاحترام المتبادل، ومدى الالتزام الفعلي بقواعد السيادة وحسن الجوار.

في منطقة الخليج العربي، تكتسب البروتوكولات أهمية خاصة، ليس بوصفها طقوساً دبلوماسية فحسب، بل باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لمدى احترام إيران لقواعد الجيرة التي تحرص دول الخليج على ترسيخها.

- البروتوكول كاختبار للمصداقية:

في العلاقات الدولية، لا تُعدّ الزيارات الرسمية أو توقيع مذكرات التفاهم مجرد صور بروتوكولية. فرفع الأعلام وتبادل المصافحات يحملان رسائل سياسية واضحة، مفادها الاعتراف المتبادل بالسيادة والالتزام بقواعد القانون الدولي.

وقد حرصت دول الخليج العربي، عبر عقود، على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع إيران، انطلاقاً من مبدأ حسن الجوار والسعي إلى الاستقرار الإقليمي. غير أن هذا الحرص الخليجي ظل يصطدم بسلوك إيراني يتناقض مع روح البروتوكول ومضمونه، إذ لا يمكن أن تُختزل العلاقات في مراسم رسمية، بينما تُنتهك قواعد الجوار على الأرض.

- منذ 1979: خطاب مختلف وممارسة مقلقة:

منذ عام 1979 وصعود روح الله الخميني، تبنّت إيران خطاباً سياسياً يتجاوز حدودها الجغرافية، وأدخلت المنطقة في مرحلة من التوتر الأيديولوجي والسياسي. ومع مرور الوقت، لم يبقِ هذا الخطاب في إطار الشعارات، بل انعكس في سياسات عملية في عدد من الساحات الإقليمية.

وفي ملفات سياسية، ترى دول الخليج العربي أن إيران تدعم أطرافًا محلية مسلحة بما يعزز نفوذها الاستراتيجي ويؤثر في توازنات المنطقة. هذا السلوك، من منظور خليجي، يتعارض مع أبسط قواعد الجيرة التي تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

- خطاب حسن الجوار.. وواقع مغاير:

تؤكد إيران رسميًا التزامها بمبادئ حسن الجوار وعدم التدخل، وتدعو إلى حوار إقليمي شامل. إلا أن المعيار الحقيقي لا يكمن في التصريحات، بل في الأفعال. فحسن الجوار لا يتحقق بالبيانات، بل بوقف دعم الجماعات المسلحة خارج الأطر الشرعية، والكف عن استخدام الساحات العربية كمسارح نفوذ وصراع بالوكالة.

في المقابل، تبنّت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية نهجًا قائمًا على احترام السيادة، والدعوة إلى الاستقرار، وتغليب لغة الدبلوماسية والحوار. وقد عبّرت مرارًا عن استعدادها لعلاقات متوازنة تقوم على المصالح المشتركة وعدم التدخل. غير أن استمرار السلوك الإيراني المزعزع للاستقرار يُفرغ أي تقارب بروتوكولي من مضمونه الحقيقي.

- البروتوكول بلا احترام.. يفقد معناه:

البروتوكول في جوهره ليس ترتيباً للقاءات، بل اعتراف عملي بسيادة الآخر وحدوده. وعندما يُقابَل الحرص الخليجي على الاستقرار بتحركات إيرانية توسعية، فإن أي مصافحة دبلوماسية تصبح إجراءً شكلياً لا يعكس حقيقة المشهد. لقد أثبتت التجربة أن استقرار الخليج العربي لا يهدده نقص التواصل، بل تهدده السياسات التي تتجاوز الحدود، وتدعم أطرافاً مسلحة خارج مؤسسات الدولة. فالأمن الإقليمي لا يُبنى على النفوذ العابر للحدود، بل على احترامها.

- استقرار مرهون بالالتزام الفعلي:

إن دول الخليج العربي أثبتت التزامها بمبادئ حسن الجوار، وحرصها على تجنيب المنطقة مزيداً من التوتر. غير أن هذا الحرص يتطلب شريكًا يلتزم بالقواعد ذاتها. فلا يمكن أن تقوم علاقة مستقرة في ظل ازدواجية بين خطاب معلن وسلوك ميداني مختلف.

يبقى استقرار الخليج العربي مرهوناً بمدى استعداد إيران للانتقال من لغة البروتوكول إلى احترام فعلي لسيادة الدول وكفّ يدها عن التدخل في شؤون جيرانها. عندها فقط تتحول البروتوكوليات من طقوس شكلية إلى أدوات حقيقية لبناء الثقة وترسيخ الأمن في المنطقة.