د. توفيق السباعي

لم تتخلَّ مملكة البحرين، وهي تواجه الاعتداءات الإيرانية الآثمة التي طالت عدداً من دول الخليج العربي والمنطقة، عن لغتها السياسية الرصينة، ولم تنحدر إلى خطاب الانفعال؛ بل قدّمت نموذج الدولة التي تُحسن الجمع بين الحزم في صون سيادتها، والثبات على رسالة السلام بوصفها عنواناً للقوة ورجاحة القرار. إن هذا الاتزان ليس إلا امتداداً لنهجٍ راسخ أرساه حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، قوامه أن الأمن لا ينفصل عن الحكمة، وأن الاستقرار لا يُصان إلا ببصيرة الدولة ورسوخ مؤسساتها. وجاءت الكلمة السامية لجلالته، بمناسبة العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، لتؤكد هذا الجوهر بعباراتٍ جلية: أن البحرين كانت وستظل دولة سلام وبلدَ تعايش، ثابتة على نهج الحكمة والاعتدال، وماضية بثقةٍ واتزان في أداء التزاماتها تجاه محيطها العربي ومجتمعها الدولي.

ومن أبرز ما كشفت عنه هذه الأزمة، أن البحرين لم تكن وحدها في مواجهة التهديد. فقد توالت اتصالات التضامن من قادة الدول الشقيقة والصديقة إلى جلالة الملك المعظم، كما تلقى وزير الخارجية اتصالات مماثلة من عدد من نظرائه العرب والدوليين، وكلها حملت إدانات واضحة للاعتداءات ورسائل دعم لسيادة البحرين وأمنها؛ بما يؤكد المكانة الرفيعة التي تحظى بها البحرين وتعكس نجاح دبلوماسيتها المتزنة بقيادة جلالة الملك المعظم أيده الله، وقدرتها على بناء احترام دولي واسع يقوم على الاعتدال والموثوقية وحسن إدارة المواقف.

غير أن تمسّك البحرين بخيار السلام لا يعني القبول بالعدوان، ولا الصمت عن استهداف أمنها وسلامة أهلها. فالاعتداءات الإيرانية الآثمة التي طالت الأعيان المدنية، والأحياء السكنية، والمنشآت الحيوية والاقتصادية والنفطية في البحرين وعددٍ من الدول العربية الشقيقة، تكشف نهجاً خطيراً يقوم على الاستهتار بالقانون الدولي، وتجاوز مبادئ حسن الجوار، وتعريض حياة الأبرياء ومقدرات الدول للخطر. وهي أفعال لا يمكن النظر إليها إلا بوصفها مؤشراً واضحاً عن عقلية عدوانية لا ترى في استقرار المنطقة قيمةً تستحق الاحترام، ولا في سلامة الشعوب حرمةً يجب صونها.

وفي مواجهة هذا المشهد، برهنت البحرين على أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تملكه من إمكانات، بل بقدرتها على تسخير تلك الإمكانات لحماية الوطن والإنسان معاً. فقد تجلت الجاهزية العالية لقوة دفاع البحرين والحرس الوطني، إلى جانب يقظة الأجهزة الأمنية وكفاءة مؤسسات الدولة، في صورة وطنٍ يعرف كيف يدافع عن سمائه وأرضه، ويبعث الطمأنينة في نفوس مواطنيه والمقيمين على أرضه، ويحافظ على انتظام الحياة واستمرارية الخدمات من دون اضطراب أو ارتباك. وفي هذا السياق، برز دور حكومة البحرين برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، من خلال متابعةٍ حثيثة لمجريات التطورات، وقراءةٍ دقيقة لتداعياتها على الأمن والخدمات والحياة اليومية، كما امتدت هذه المتابعة إلى تقييم مستوى الاستجابة الميدانية، والاطمئنان على كفاءة القدرات الوطنية في حماية الأرواح والممتلكات، إلى جانب ضمان توافر السلع الأساسية، واستمرار الخدمات، وانسيابية سلاسل الإمداد في الأسواق التجارية، في رسالةٍ عملية تؤكد أن الدولة حاضرة في الميدان كما هي حاضرة في القرار، وأنها تمارس مسؤولياتها بكفاءةٍ واتزان في أدق الظروف وأصعبها.

وفي الختام، تبقى البحرين أكبر من كل محاولات النيل، لأنها تستند إلى قيادةٍ رشيدة، ومؤسساتٍ راسخة، وشعبٍ وفيّ يعرف قدر وطنه. وما أحوجنا في مثل هذه المرحلة إلى أن نزداد تماسكاً، وأن نحصّن وعينا، وأن نلتف صفاً واحداً حول راية الوطن، رافضين الشائعات، ومُفشلين رهانات أعدائه على التشكيك أو التفرقة. فالبحرين التي يصونها وعي أهلها، وتحرسها بسالة رجالها، وتقودها حكمة قيادتها، ستظل بإذن الله عصيةً على الانكسار، مرفوعة الهامة، محفوظة الكرامة، ثابتة الخطى في وجه كل من يحاول المساس بأمنها أو سيادتها أو سمعتها.