حنان الخلفان
في كل عام، وفي صلاة التراويح والقيام تحديداً، تمر لحظات يعرفها كل من وقف في صفوف المصلين. لحظات يمتلئ فيها المسجد بالبكاء الصادق، حين يذكر الإمام الدعاء للأم، أو حين يستحضر ذكر قريبٍ رحل عن الدنيا. في تلك اللحظات تتحرك القلوب قبل العيون، ويشعر الإنسان بأن الدعاء يخرج من أعماق الروح. لكن هذا العام كان مختلفًا.
حين جاء الدعاء للبحرين، لم يكن دعاءً عابراً كما اعتدنا في نهاية الصلاة، بل كان دعاءً خرج من قلوب الناس جميعاً. دعا الإمام بأن يحفظ الله البحرين أرضاً وسماءً، وأن يحفظ جنودها الذين يسهرون على أمنها، وأن يحفظ حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، وأن يديم على هذا الوطن نعمة الأمن والاستقرار.
في تلك اللحظة ارتفعت أصوات البكاء في المسجد بحرقة لم أسمعها من قبل. لم يكن ذلك بكاء حزنٍ فقط، بل كان مزيجًا من الحب والخوف والرجاء. شعرت أن الدعاء هذه المرة خرج من أعماق القلوب، وكأن الناس كانوا يقولون بدموعهم ما تعجز الكلمات عن قوله: إن البحرين ليست مجرد مكان نعيش فيه، بل وطن يسكن أرواحنا.
في تلك اللحظة أدركت معنى بسيطًا لكنه عميق: أن حب الوطن ليس كلمات تُكتب في مقال، ولا شعارات تُرفع في المناسبات، بل هو تلك المشاعر الصادقة التي تظهر حين يشعر الناس بأن وطنهم يحتاج إلى دعائهم وقلوبهم معًا.
وقد رأينا في هذه الأيام صورة البحرين التي يعرفها أبناؤها جيدًا.
رأينا رجالًا يقفون على خطوط الدفاع الأولى، يحملون مسؤولية حماية الأرض والناس بضمير يقظ وقلب ثابت. إنهم جنود البحرين البواسل الذين يستحقون من كل بيت في هذا الوطن كلمة شكر صادقة. فوجودهم ليس مجرد مهمة عسكرية، بل هو الطمأنينة التي يستند إليها المجتمع كله، لأنهم يقفون حيث يجب أن يكونوا حين يحتاج الوطن إليهم.
وإلى جانبهم تقف القيادة الرشيدة التي أثبتت مرة أخرى أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدراتها، بل بقربها من شعبها. فقد جاءت التوجيهات الكريمة لصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، بسرعة التعامل مع آثار الاعتداء وإصلاح البيوت المتضررة والوقوف إلى جانب الأسر التي مسّها الضرر، لتؤكد أن العلاقة بين القيادة والشعب في البحرين ليست علاقة رسمية فحسب، بل علاقة مسؤولية ووفاء متبادل.
لكن الصورة الأجمل في كل ذلك كانت في المجتمع نفسه.
لقد حاول البعض، كما يحدث دائمًا في مثل هذه الظروف، أن يزرع الشكوك، أو يعزف على أوتار الطائفية، إلا أن الواقع على الأرض كان مختلفاً تماماً. فقد وقف البحرينيون، من مختلف المذاهب والأطياف، صفاً واحداً حول وطنهم. لأن الحقيقة التي يعرفها أبناء البحرين جيداً هي أن الوطن أغلى من أي خلاف، وأن الولاء له ليس شعاراً يقال في لحظة عابرة، بل قيمة راسخة في قلوب الغالبية الساحقة من هذا المجتمع.
قد يفقد البعض هذا المعنى، وقد يختار آخرون أن يقفوا في الاتجاه الخطأ، لكن البحرين في النهاية تُقاس بأغلبية أبنائها الذين يعرفون جيداً أين يقفون حين يحتاج الوطن إليهم.
وبصراحة.. حين يبكي الناس في المساجد، وهم يدعون لوطنهم، يدرك الإنسان أن العلاقة بين الشعب وأرضه أعمق من السياسة وأكبر من أي خلاف. فالوطن الذي يُدعى له بهذا الصدق.. وطن لا يُهزم.