في ظل ما تشهده مملكة البحرين من ظروف استثنائية نتيجة الاعتداءات الإيرانية الغاشمة، تتجلى أسمى صور التكاتف الوطني والالتفاف حول قيادة الوطن ومؤسساته في مواجهة هذه التحديات، فآثار هذه الاعتداءات لم تقتصر على الجانب العسكري أو السياسي فحسب، بل امتدت لتطال الجوانب المدنية الاجتماعية والاقتصادية لمملكتنا الغالية، بما يمس الأمن الاقتصادي، ويؤثر في مصالح الأفراد والشركات والاستثمارات القائمة على أرضها، علاوة على ما خلّفته هذه الاعتداءات من آثار إنسانية مؤلمة تمثلت في المساس بسلامة الأفراد وتعريض حياة المواطنين والمقيمين وممتلكاتهم للخطر، الأمر الذي ترك جراحاً عميقة في نفوس أسرهم وذويهم. الأمر الذي يثير تساؤلاً قانونياً بالغ الأهمية: هل يملك الأفراد والشركات والاستثمارات المتضررة مادياً أو معنوياً في مملكة البحرين جراء الاعتداءات الإيرانية الحق في المطالبة بتعويضات؟ وما هي أهم الإجراءات القانونية في الوقت الحالي لحماية هذا الحق؟
يقرّ القانون الدولي مبدأ مسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة دولياً، ويستند هذا المبدأ إلى قواعد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار رقم (56/83) لعام 2001؛ ورغم أن هذه القواعد لا تُعد معاهدة دولية بالمعنى التقليدي، إلا أن الفقه والقضاء الدوليين استقرا على اعتبارها تجسيدًا لقواعد راسخة في القانون الدولي العرفي، الأمر الذي يضفي على مبادئها الأساسية صفة الإلزام في مواجهة جميع الدول. وقد قررت هذه القواعد عدداً من المبادئ الأساسية، من أبرزها ما نصت عليه المادة (1) من قيام مسؤولية الدولة عن الفعل غير المشروع دوليًا، والمادة (31) التي تقرر التزام الدولة المسؤولة بجبر الضرر كاملاً، إضافة إلى المادة (34) التي تحدد أشكال جبر الضرر، والمادة (36) التي تقضي بالتعويض المالي عن الضرر.
ومقتضى هذه القواعد أن الدولة التي ترتكب فعلاً يخالف قواعد القانون الدولي ويترتب عليه إلحاق ضرر بدولة أخرى أو برعاياها، تلتزم بجبر هذا الضرر جبراً كاملاً، ويتخذ جبر الضرر في القانون الدولي أحد الأشكال التي قررتها هذه القواعد، وهي إعادة الحال إلى ما كان عليه، أو التعويض المالي، أو الترضية، وذلك بحسب طبيعة الضرر وظروف كل حالة، ويمتد نطاق التعويض ليشمل مختلف أنواع الأضرار، بما في ذلك الخسائر المالية المباشرة، والأضرار التي تلحق بالممتلكات، فضلاً عن الأرباح التي حُرم منها المتضرر نتيجة وقوع الفعل غير المشروع. ويُعد هذا التوجه من التطورات الحديثة نسبياً في القانون الدولي، إذ كانت المطالبات بالتعويض عن الأضرار الناتجة عن النزاعات الدولية تقتصر تقليدياً على الدول دون غيرها. غير أن الممارسات الدولية خلال العقود الأخيرة شهدت تطوراً ملحوظاً في الاعتراف بحق الأفراد والاستثمارات والشركات في المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي تلحق بهم نتيجة هذه النزاعات، الأمر الذي أسهم في ترسيخ وتقنين القواعد المنظمة لمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً. ومن أبرز السوابق الدولية التي جسدت هذا التوجه ما أعقب غزو العراق لدولة الكويت عام 1990، حيث قرر مجلس الأمن، بموجب قراره رقم (687) لعام 1991، مسؤولية العراق عن الخسائر والأضرار التي ترتبت على هذا الغزو. وبناءً على ذلك أُنشئت لجنة الأمم المتحدة للتعويضات للنظر في المطالبات المقدمة من الحكومات والأفراد والشركات الذين تضرروا من هذه الأحداث،وقد تلقت لجنة الأمم المتحدة للتعويضات ملايين المطالبات المتعلقة بالخسائر الاقتصادية والتجارية والمادية، وانتهت إلى دفع عشرات المليارات من الدولارات كتعويضات للمتضررين. وفي هذا السياق، يتيح القانون الدولي عدة آليات قانونية يمكن من خلالها المطالبة بالتعويض عن الأضرار الناتجة عن النزاعات الدولية، من أبرزها إنشاء لجان دولية خاصة للنظر في مطالبات المتضررين وتقدير حجم الأضرار، أو لجوء الدول إلى تبني مطالبات رعاياها المتضررين في إطار ما يُعرف بالحماية الدبلوماسية، فضلًا عن إمكانية تسوية هذه المطالبات من خلال التحكيم الدولي أو عبر تسويات واتفاقيات دولية تنظم مسألة التعويض وجبر الضرر. وإذ تثبت السوابق القضائية أن نجاح المطالبات بالتعويض يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة المتضررين على إثبات حجم الخسائر التي لحقت بهم والقدرة على ربطها بأعمال الدولة المعتدية، دعاوى تعويضات غزو الكويت مثال لذلك، مما يبرز معه أهمية توثيق الأضرار الاقتصادية كخطوة أساسية في أي مطالبة مستقبلية بالتعويض. وبناءً على ما تقدم، فإن الأفراد والشركات والاستثمارات التي لحقت بها أضرار مادية أو معنوية في مملكة البحرين جراء الاعتداءات الإيرانية، يملكون – من حيث المبدأ – الحق في المطالبة بالتعويض عن هذه الأضرار في إطار قواعد القانون الدولي التي تقر مسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة دولياً. غير أن ممارسة هذا الحق لا تتم غالباً بصورة مباشرة أمام الهيئات الدولية من قبل الأفراد، وإنما من خلال الآليات التي يقرها النظام القانوني الدولي، وفي مقدمتها قيام الدولة بتبني مطالبات رعاياها المتضررين في إطار ما يُعرف بالحماية الدبلوماسية، أو عبر آليات دولية قد تُنشأ لمعالجة هذه الأضرار مثل اللجان الدولية للتعويض أو إجراءات التحكيم والتسويات الدولية.
لذلك، في الوقت الراهن، تبرز أهمية قيام الأفراد والشركات المتضررة في المملكة بتوثيق الأضرار التي لحقت بهم وحفظ الأدلة والمستندات المالية والقانونية المتعلقة بها، تمهيداً لإمكانية المطالبة بالتعويض عنها متى ما فُتحت الآليات القانونية الدولية للنظر في هذه المطالبات. ويشمل ذلك اللجوء إلى الإجراءات القانونية اللازمة لإثبات هذه الأضرار، مثل إعداد التقارير المحاسبية لتقدير الخسائر المالية، والاحتفاظ بالعقود والسجلات التجارية والفواتير وسجلات التأمين، إضافة إلى توثيق الأضرار التي لحقت بالممتلكات أو المنشآت من خلال التقارير الفنية والصور والمراسلات الرسمية.
كما يمتد ذلك إلى الأفراد الذين تعرضوا لإصابات أو أضرار في ممتلكاتهم، وذلك من خلال الاحتفاظ بالتقارير الطبية وسجلات العلاج والفواتير المرتبطة به، فضلًا عن توثيق الأضرار التي لحقت بالمنازل أو المركبات أو الممتلكات الخاصة، فمثل هذه الأدلة تمثل أساسًا قانونيًا مهمًا لأي مطالبات مستقبلية بالتعويض، وتسهم في حفظ حقوق المتضررين وتمكين الجهات المختصة من الاستناد إليها عند طرح هذه المطالبات في الأطر القانونية الدولية المناسبة.
وفي ختام هذا الطرح، تبقى مملكة البحرين، بقيادتها الحكيمة وشعبها الوفي، مثالاً للوحدة الوطنية والتكاتف في مواجهة التحديات التي تستهدف أمنها واستقرارها، فمثل هذه الظروف الاستثنائية تعزز قيم التضامن والالتفاف حول الوطن ومؤسساته، وتؤكد أن قوة البحرين الحقيقية تكمن في تماسك مجتمعها ووحدة صف أبنائها، ومع استمرار هذا التكاتف الوطني، تظل المملكة ثابتة في حماية أمنها وصون مصالحها، مستندة إلى إرادة شعبها وإيمانهم الراسخ بوطنهم وقيادته.