اكتشاف النفس مهمة مستمرة، ولا تنتهي عند اختيار التخصص الجامعي فقط. وذلك لأن الاهتمامات والميول تتغير مع الوقت وخوض التجارب المختلفة.
وقد يشعر الإنسان -بعد مروره بعدد من التجارب- أنه قد عثر على المجال المناسب له بعد رحلة طويلة مليئة بالشك والحيرة!!
فربما يعيش المرء في شقاء منذ دخوله المرحلة الجامعية وحتى دخوله لسوق العمل من حيث لا يشعر، وكأنه إنسان مقيد ومُجبر على العمل في مجال لا يناسبه أصلاً.
فكم عدد العاملين من مختلف التخصصات الذين قابلتهم وشعرت أن عطاءهم وعملهم ناتج من القلب، ومن حُب لما يقومون به، وكم هم الذين شعرت أنهم يؤدون أقل القليل في مجالاتهم!!
وليس القصد أن يخرج الإنسان من مجال عمله، ويقدم استقالته مباشرة دون تخطيط والبحث عن بديل، فلكل عمل أو وظيفة تحديات وصعوبات لا تخلو منها أي مؤسسة حتى ولو كنت تعمل في المجال الذي تُحب.
وإنما القصد أن المرء يصل أحياناً لطريق مسدود في مسيرته المهنية، ويجد أن التقدم صار شبه معدوم، ومستوى التعاسة قد تضاعف مع السنوات حتى ولو كان المجال من الناحية المالية مجزياً. حينها يمكن للمرء التفتيش في ملفاته القديمة وهواياته التي كان يستمتع بها، ويتأمل في الأمور التي يحبها في مجاله ووظيفته الحالية، فلعله يكتشف مساراً مهنياً جديداً لم ينتبه له مسبقاً ويعمل على تعلمه والتخطيط للانتقال إليه إما بشكل كلي أو بشكل عمل جانبي وجزئي.
فقد لا يتاح لكل إنسان ترك عمله بكل بساطة بسبب الالتزامات المالية المتعددة فما المانع من بدء عمل جانبي ومشروع صغير يجد فيه الإنسان شغفه ومتعته، وربما مع العمل المستمر وتراكم الخبرات يتحول إلى عمل كبير ذي دخل مجزِ، ويسهل حينها على المرء التفرغ له.
فقد صار اكتشاف النفس أمراً ليس بالسهل في الوقت الحالي، فالثقافة السائدة بين الناس تُقلل من قيمة التجربة، ويُعتبر الخطأ فيها جريمة، ويتم التعامل مع اختيارات الحياة على مبدأ أبيض أو أسود بالرغم أن بينهما مساحة واسعة من الخيارات الصحيحة التي تقع ضمن المنطقة الرمادية.
والفرص المتاحة للطلبة خلال مسيرتهم التعليمية محدودة للغاية ونظرة المجتمع للأسف تتجه لتفريغ الطالب من كل الاهتمامات، وتقليص هامش الهوايات مُقابل التركيز على الدراسة فقط!!
وللأسف القليل من الأهالي يخططون لشغل أوقات أبنائهم ببرامج مفيدة وإشراكهم في الأعمال والوظائف للتعلم منها وصقل شخصياتهم سواء في الإجازات الطويلة أو أوقات فراغهم. والتحديات التي أمامنا كثيرة للوصول لمجتمع يفهم قدرات أبنائه وإمكانياتهم، ويضع كل واحد منهم في المكان الصحيح الذي سيُبدع فيه بإذن الله.