أكد خبراء قانونيون أن المرسوم الصادر بتعديل بعض أحكام قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية برفع الحد الأدنى للإثبات المالي بشهادة الشهود من 500 دينار إلى ألف دينار، يخفف من القيود الشكلية لإثبات الحقوق، ويعزز إمكانية اللجوء إلى وسائل إثبات أكثر مرونة في المعاملات البسيطة، ويعكس توجهاً تشريعياً واضحاً نحو تحقيق التوازن بين الشكلية القانونية ومتطلبات الواقع العملي في المجتمع، وقالوا إنه يعكس إدراكاً تشريعياً لتغير القيمة الاقتصادية للأموال، ويخفض النزاعات الشكلية على المحاكم بناءً على واقع عملي.

خطوة نحو

مرونة أكبر

وتعليقاً على التعديل أشار المحامي د. علي البحار إلى أن المنظومة القانونية شهدت تطوراً مهماً مع صدور القانون رقم (12) لسنة 2026، مؤكدا أنه يعكس توجهاً تشريعياً واضحاً نحو تحقيق التوازن بين الشكلية القانونية ومتطلبات الواقع العملي في المجتمع، على اعتبار أن قانون الإثبات أحد الأعمدة الأساسية في النظام القضائي، وقد جاءت التعديلات الأخيرة لتعيد ضبط هذا التوازن بما يتلاءم مع التطورات الاقتصادية والاجتماعية.

وحول رفع الحد المالي الذي يجوز فيه الإثبات بشهادة الشهود من الحد السابق إلى 1000 دينار، أكد البحار أنه يعكس إدراكاً تشريعياً لتغير القيمة الاقتصادية للنقود، فضلاً عن طبيعة التعاملات اليومية التي كثيراً ما تتم دون توثيق كتابي، خاصة بين الأفراد، مشدداً على أن هذا التعديل من شأنه أن يخفف من القيود الشكلية التي كانت تحول في بعض الحالات دون تمكين المتقاضين من إثبات حقوقهم، ويعزز من إمكانية اللجوء إلى وسائل إثبات أكثر مرونة في المعاملات البسيطة.

التعديل يعالج

تعدد الطلبات

ولفت د. البحار إلى أن التعديل عالج كذلك مسألة تعدد الطلبات بصورة أكثر وضوحاً، حيث أجاز الإثبات بالشهادة لكل طلب على حدة إذا لم تتجاوز قيمته الحد المقرر، حتى لو تجاوز مجموع الطلبات هذا الحد، وقال إن هذا التوجه يعد خطوة مهمة نحو منع التقييد على المتقاضين في القضايا المركبة، ويعزز من العدالة الإجرائية.

وأضاف: «في مقابل هذا التوسع، حرص المشرّع على وضع ضوابط دقيقة لمنع إساءة استخدام الشهادة كوسيلة للإثبات، فنص على عدم جواز اللجوء إليها في حالات محددة، مثل مخالفة دليل كتابي قائم أو التحايل على النصوص من خلال تجزئة المطالبات، وهو ما يؤكد أن التعديل لم يكن توسعيًا على إطلاقه، بل جاء ضمن إطار منضبط يهدف إلى حماية استقرار المعاملات ومنع التلاعب بالإجراءات القضائية».

وتوقع د. البحار أن يسهم هذا التعديل في تسهيل إجراءات التقاضي، خاصة في المنازعات ذات القيمة المحدودة، حيث لم يعد غياب الدليل الكتابي عائقاً مطلقاً أمام إثبات الحق، كما أشار إلى أنه يمنح القاضي مساحة أوسع لتقدير الأدلة، بما يحقق العدالة في ضوء ظروف كل دعوى، وفي المقابل، يظل الالتزام بالكتابة هو الأصل في المعاملات ذات القيمة الكبيرة، وهو ما يضمن استمرار الاستقرار في البيئة التجارية وعدم الإخلال بالثقة في المعاملات.

وبشأن الاستخدام العملي للتعديلات، أوضح المحامي د. علي البحار أنه يظهر بوضوح في عدد من التعاملات اليومية، من أبرزها القروض الشخصية، والتعاملات ذات الطابع العائلي، وكذلك الاتفاقات غير المكتوبة التي تجري في إطار الثقة بين الأفراد، حيث أصبح من الممكن إثباتها بشهادة الشهود ضمن الحدود التي رسمها القانون، بعد أن كانت في السابق تواجه صعوبات إثباتية قد تؤدي إلى ضياع الحقوق.

وأكد أن التعديل الأخير لقانون الإثبات يمثل نقلة نوعية نحو نظام أكثر مرونة وواقعية، دون التفريط في الضمانات الأساسية. فهو من جهة يفتح الباب أمام الأفراد لإثبات حقوقهم بوسائل أكثر يسرًا، ومن جهة أخرى يحافظ على هيبة الكتابة كوسيلة رئيسية في المعاملات المهمة.

حماية المراكز القانونية من «تذبذب الذاكرة»

من جانب آخر، أشار المحامي زهير عبداللطيف إلى أن التعديل في المادة (61) يعزز قاعدة «العقد شريعة المتعاقدين» ويعكس رغبة المشرع في حماية المراكز القانونية من «تذبذب» الذاكرة البشرية أو احتمالية الشهادة الزور في المعاملات ذات القيمة المعتبرة، بينما منعت المادة (62) الالتفاف على شرط الكتابة، حيث لا يجوز لشهادة الشهود أن تنقض ما هو ثابت بالكتابة، حتى لو كانت القيمة أقل من ألف دينار.

ولفت عبداللطيف إلى منع التجزئة للدين، فإذا كان الجزء المتبقي من التزام أصلي (كان يتطلب كتابة) يقل عن ألف دينار، يظل شرط الكتابة قائماً ولا تقبل الشهادة.

أداة اقتصادية

لتعزيز الموثوقية

وقال عبداللطيف: «هذا التعديل ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو أداة اقتصادية تهدف إلى تعزيز الموثوقية المالية ودفع الأفراد والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة نحو «توسيع نطاق التوثيق»، كما أنه يخفض من وقت التقاضي، لأن سماع الشهود ومناقشتهم عملية تستغرق وقتاً طويلاً وجهداً قضائياً، ولكن عند وجود الدليل الكتابي، يصبح الحكم أسرع، وهو ما يرفع تصنيف البحرين في مؤشرات إنفاذ العقود الدولية».

وأضاف: «إن رفع النصاب إلى 1000 دينار يعكس واقع القوة الشرائية الحالية، ويواكب التضخم والقيمة النقدية مما يسهل المعاملات اليومية الصغيرة، مع الحفاظ على الانضباط في المبالغ التي بدأت تشكل وزناً اقتصادياً».