أيمن شكل

  • - دلمون لم تكن مجرد محطة تجارية عابرة بل كانت مملكة ذات سيادة
  • - المؤلف قدم في بحثه تحليلاً لاسم «دلمون» في أقدم الكتابات المسمارية
  • - دلمون وفق التسلسل الزمني والسياسي توزعت على 3 مراحل رئيسية
  • - الأوزان الدلمونية بموقع قلعة البحرين تُظهر عمليات التبادل التجاري
  • - معبد باربار كان مقصد حجاج العالم مما يجعله الكعبة القديمة لعقيدة الخلود
  • - الفنان الدلموني خلق فناً دلمونياً خاصاً يعكس انفتاح المملكة وتسامحها

يكشف كتاب «دلمون مملكة الحضارة» للمؤلف والباحث الأكاديمي د. عبدالعزيز صويلح عن حقيقة أن مملكة دلمون لعبت دوراً محورياً في الربط بين الحضارات الكبرى القديمة «بلاد الرافدين، وادي السند، عيلام، ماجان»، وذلك انطلاقاً من موقعها الجغرافي المتميز. ويؤكد الكاتب في بحثه الموسوعي الذي جاء في حوالي 200 صفحة من القطع الكبير، مزوداً بالخرائط والصور على أن دلمون لم تكن مجرد محطة تجارية عابرة، بل كانت مملكة ذات سيادة، تمتلك كياناً سياسياً مستقلاً، وحضارة متقدمة، ودوراً فاعلاً في إعادة تشكيل العلاقات الدولية في الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد.

يبدأ الكتاب بالتحليل المكاني عن الموقع الجغرافي للخليج العربي وأهميته، يحلل فيه د. صويلح بعمق خصائص الساحل الغربي للخليج، مرجحاً أسباب تفوقه الملاحي على الساحل الشرقي، مستنداً إلى الجيولوجيا الحديثة والاكتشافات الأثرية، بما يؤسس لفهم دور حضارة دلمون.

وقدم المؤلف في الفصل الثاني من بحثه تحليلا لاسم «دلمون» في أقدم الكتابات المسمارية «من الوركاء حوالي 3200 ق.م»، متتبعاً تطور كتابة الاسم ومعانيه، من خلال قراءة متعمقة للنصوص التي تحدد موقع دلمون جغرافياً، فيما عرض في الفصل الرابع دراسة حالة متكاملة لمعبد باربار والمكتشفات المادية التي توضح طبيعة العلاقات الخارجية والمعتقدات الدينية، وربط هذه المكتشفات بنظيراتها في بلاد الرافدين وعيلام ومصر القديمة للإثبات بالدليل المادي على شبكة العلاقات الواسعة التي كانت دلمون مركزاً لها.

واستعرض الباحث في مقارنة منهجية، للنصوص المسمارية والأدوات والطقوس بين دلمون والحضارات المجاورة، وبين الأوزان الدلمونية والسندية، ونقوش الأختام، وبين أشكال العبادة، حيث أظهر بوضوح التأثير والتأثر الحضاري المتبادل. وقدم صورة متكاملة للتسلسل الزمني والسياسي للمملكة، مقسماً دلمون إلى ثلاث مراحل رئيسية وهي:دلمون الأولى «2800-1600 ق.م» «أرض الخلود» وموطن الآلهة، وربطها بشخصية جلجامش الأسطورية، ثم دلمون الثانية «1600-1200 ق.م» إبان عصر الملك ريموم، مستندا إلى «حجر ديوراند» الشهير «الذي عثر عليه في مسجد بالبحرين عام 1879» كوثيقة مؤسِّسة لهذه المرحلة، ثم ختم بمرحلة دلمون الثالثة «1200-323 ق.م» الخاصة بالتوسع والنفوذ، وذكر فيها ملوكاً مثل خوندارو وأوبيري وكانايا، معتمداً على النصوص الآشورية.

وأبرز المؤلف نماذج العلاقات السلمية، لدلمون في عدة عصور وملوك، موضحاً كيف كانت دلمون مصدراً رئيسياً للأخشاب والأحجار الكريمة والنحاس، وكيف كان لملوك سومر «مبعوثون» مقيمون في دلمون، مما يدل على وجود علاقات دبلوماسية وتجارية منظمة. كما خصص د. صويلح مساحة كبيرة لدراسة معبد باربار، معتبراً إياه الكعبة القديمة لعقيدة الخلود، حيث لفت إلى بناء المعابد الثلاثة فوق بعضها البعض بما يدل على تقديس المكان واستمرارية العقيدة لقرون، وكذلك اكتشاف أوانٍ مصرية من المرمر، وتماثيل شبيهة بتلك الموجودة في سوسة وباكتيريا، ليؤكد أن المعبد كان مقصداً للحجاج من مختلف أنحاء العالم القديم، مما يمنحه صفة «العالمية».

وربط بين مياه المعبد العذبة «البئر المقدس» والأسطورة السومرية التي يمنح فيها الإله إنكي دلمون الماء العذب، وبين كون جزيرة البحرين مشهورة بينابيعها العذبة حتى اليوم، فيما أشار إلى صور طقس الزواج المقدس على الطريقة الرافدينية وعمق التأثير الثقافي والديني بين الحضارتين.

وتستعرض الفصول الثلاثة من السادس إلى الثامن الصورة الخاصة بالاقتصاد الدلموني، حيث تعتبر دلمون أول من طبق سياسة «التجارة الحرة» و«الترانزيت» في التاريخ، ما بين واردات من النحاس من ماجان، والعاج والأحجار الكريمة من وادي السند، والصادرات من التمور، اللؤلؤ، الملابس الكتانية، الأخشاب، واستمد الباحث ذلك من قوائم مسمارية.

وأكد على أن وجود الأوزان السندية إلى جانب الأوزان الدلمونية في موقع قلعة البحرين يُظهر عمليات تسهيل التبادل التجاري، وكذلك الأختام الدلمونية تعزز نظرية التقاء الثقافات والأجناس في أشكال الملابس، ووضعيات الآلهة الجالسة، ومشاهد البطل جلجامش، وهو يمسك بأسدين، وقدرت الفنان الدلموني على المزج بين العناصر الأجنبية والرموز المحلية المتمثلة في النخلة ليخلق فناً دلمونياً خاصاً، يعكس انفتاح المملكة وتسامحها.

ويعتبر كتاب «دلمون مملكة الحضارة» المرجع الأكثر شمولية عن حضارة دلمون باللغة العربية في العقدين الأخيرين، ويوفر للباحثين وسيلة لسد ثغرة كبيرة في تاريخ المنطقة، من خلال خلاصة مدرسة بحثية عربية واعية ومتمكنة.