أ.د. جهان العمران

في أوقات الحروب أو التوترات السياسية، يزداد حديث الناس عن المستقبل: ماذا سيحدث؟ هل ستتوسع الأزمة؟ كيف سيكون الغد؟ هذه

الأسئلة طبيعية، لأن الإنسان بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول التفكير في المستقبل إلى قلق مستمر يرهق النفس ويستنزف الطاقة الذهنية.

يعرف علماء النفس هذا النمط من التفكير باسم القلق الاستباقي (Anticipatory Anxiety)، وهو القلق الناتج عن توقع أحداث سلبية قد تقع في المستقبل. وتشير الدراسات في علم النفس الصحي إلى أن الانشغال المستمر بما قد يحدث لاحقًا يزيد من مستويات التوتر ويؤثر في النوم والتركيز، بل وقد يضعف قدرة الإنسان على اتخاذ القرارات السليمة.

كثير منا قد يلاحظ ذلك في حياته اليومية. فقد يجد نفسه يفكر لساعات في سيناريوهات محتملة لم تحدث بعد. وقد يتابع الأخبار، ثم يبدأ في تخيّل أسوأ الاحتمالات. ومع مرور الوقت، يصبح العقل وكأنه يعيش في مستقبل مليء بالمخاوف، بينما الحاضر ما زال آمناً.

ولهذا يؤكد المتخصصون في الصحة النفسية أن التوازن النفسي في الأزمات يبدأ بالعودة إلى الحاضر. فالحاضر هو المساحة الوحيدة التي نملك التأثير فيها فعلياً.

أول خطوة للتعامل مع الخوف من المستقبل هي التمييز بين التفكير الواقعي والتفكير القلقي. التفكير الواقعي يعني الاستعداد للأمور بطريقة عقلانية، مثل متابعة التعليمات الرسمية أو اتخاذ الاحتياطات المعقولة. أما التفكير القلقي فهو تكرار نفس الأفكار المخيفة دون قدرة على التوقف أو الوصول إلى حل.

الخطوة الثانية هي تقليل الانغماس في السيناريوهات السلبية. فالعقل إذا تُرك دون ضابط قد يميل إلى تخيل أسوأ الاحتمالات. وقد أظهرت دراسات في علم النفس المعرفي أن الإنسان يميل طبيعيًا إلى تضخيم المخاطر عندما يشعر بعدم اليقين.

الخطوة الثالثة هي التركيز على ما يمكن السيطرة عليه. فبدلاً من الانشغال بما قد يحدث بعد أسابيع أو أشهر، يمكن للإنسان أن يسأل نفسه:

ماذا يمكنني أن أفعل اليوم لأحافظ على هدوئي وصحتي النفسية؟

قد يكون الجواب بسيطاً: الاهتمام بالأسرة، أداء العمل، ممارسة المشي، أو تخصيص وقت للقراءة والعبادة.

الخطوة الرابعة هي تعزيز مصادر الطمأنينة الداخلية. فالإيمان بالله تعالى، والتفكير الإيجابي الواقعي، والثقة بقدرة المجتمعات على تجاوز الأزمات، كلها عوامل تساعد الإنسان على الحفاظ على التوازن النفسي.

وفي هذا السياق، من المهم أن نستحضر ما نراه في مملكة البحرين من تماسك مجتمعي وثقة متبادلة بين القيادة والشعب. فالشعور بأن المجتمع متضامن وأن المؤسسات تعمل لحماية الوطن يعزز الإحساس بالأمان النفسي لدى الأفراد.

لقد أثبتت المجتمعات عبر التاريخ أن الأزمات، مهما بدت صعبة في لحظاتها الأولى، غالباً ما تمر وتتحول إلى جزء من الذاكرة الجماعية. وما يبقى بعدها هو قوة المجتمع وتماسكه.

وفي النهاية، من المفيد أن نتذكر حقيقة بسيطة، وهي أن المستقبل لم يحدث بعد، أما الحاضر فهو الحياة التي نعيشها الآن.فإذا استطعنا أن نعيش الحاضر بوعي وهدوء، فإننا نمنح أنفسنا القوة الكافية لمواجهة أي مستقبل بثبات وأمل