مها الدخيل

يبرز المشهد السياسي في مملكة البحرين اليوم كنموذج فريد لضبط النفس والاتزان، وهو واقع لا يمكن قراءته بمعزل عن الحكمة الرصينة لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، والحنكة المشهودة لصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه الممارسات العدائية الإيرانية بتناقضاتها الصارخة، يبرز تساؤل جوهري: كيف تحافظ مملكة البحرين على هذا القدر العالي من الهدوء والاستقرار في مواجهة مثل هذه التحديات؟ إن الإجابة تكمن بوضوح في وجود قيادة استثنائية تدرك بدقة متى وكيف تتحرك، وتؤمن بأن ضبط النفس هو خيار الأقوياء لتجنب الانجرار نحو الفوضى.

فبينما تحاول أطراف إقليمية معادية تصدير الأزمات وخلق بيئة من القلق الداخلي، قدمت البحرين نموذجاً مغايراً تماماً؛ فالشوارع تسير بإيقاعها المعتاد، والمجمعات التجارية تستقبل زبائنها بشكل طبيعي، والعائلات تمارس حياتها اليومية دون أي مظاهر خوف أو ارتباك، فلا مشاهد توحي بحالة طوارئ أو هلع، ولا مؤشرات على قلق شعبي، وكأن الوطن يقول للمواطن: «نم قرير العين.. فالبحرين قوية».

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو أن المواطن لم يتأثر اقتصادياً بهذا التصعيد، فلا ارتفاع في الأسعار انعكس على حياته اليومية، ولا موجة تضخم مفاجئة في السلع أو الخدمات. فهذا الثبات الاقتصادي إنما هو انعكاس لسياسات مدروسة وضعت الاستقرار الداخلي كأولوية قصوى، وأدارت الموارد والتحديات باستراتيجية واعية؛ فالحفاظ على استقرار الأسعار وتوافر السلع والخدمات في مثل هذه الظروف يعكس جاهزية اقتصادية عالية، وقدرة على امتصاص الصدمات دون تحميل المواطن أي أعباء إضافية.

فالدولة التي تدرك أن الأمن المعيشي جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني، تعمل على تحصين اقتصادها من التقلبات، وتضمن بقاء عجلة الحياة مستمرة دون اضطراب، ولهذا فإن شعور المواطن بالأمان الاقتصادي عامل أساسي في تعزيز ثقته واستقراره، وتمسكه بموقف وطني موحد في مواجهة التحديات. فلم تُضعف هذه الأزمة الجبهة الداخلية، بل عززت تماسكها وتلاحمها بشكل واضح؛ إذ ازداد التفاف الشعب حول قيادته، وتعززت ثقته بالأجهزة الأمنية، وتجددت مشاعر الولاء بصورة صادقة وعفوية تعكس عمق العلاقة القائمة على الثقة والمحبة والانتماء الوطني. وفي الوقت ذاته، ارتفعت الدعوات الصادقة من أبناء الوطن لأبطال الصفوف الأمامية بأن يحفظهم الله ويوفقهم، تقديراً لجهودهم وتضحياتهم، في تعبير واعٍ عن إدراك المجتمع لأهمية الأمن والاستقرار. كما أظهر المواطن البحريني التزاماً عالياً بالتعليمات الصادرة من الجهات المختصة، وهو ما يعكس نضجاً مجتمعياً وإحساساً راسخاً بالمسؤولية، لتتحول الأزمة من مصدر قلق إلى عامل قوة زاد من تماسك المجتمع وثقته بقيادته.

أما على المستوى السياسي، فقد برزت القيادة البحرينية بنهج متزن، بعيداً عن الانفعال أو التصعيد غير المحسوب، حيث تعاملت مع المستجدات بعقلانية وثقة، دون الانجرار إلى ردود فعل متسرعة، وفي الوقت ذاته لم تتخلَ عن ثوابتها الراسخة في حماية السيادة الوطنية وصون أمن المواطنين. هذا التوازن الدقيق بين الحزم وضبط النفس هو ما يميز الدول الراسخة، وهو ما مكّن مملكة البحرين من الحفاظ على موقعها بثبات واستقرار، مستندة إلى رؤية واضحة وإدارة واعية تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. وفي ظل هذا النهج، يتعزز شعور الطمأنينة لدى المواطنين، وتترسخ الثقة في قدرة الدولة على تجاوز التحديات، لتبقى البحرين نموذجاً في الحكمة والاعتدال، ووطناً يحتضن أبناءه بالأمن والاستقرار، ويمضي نحو مستقبل أكثر ازدهاراً.ودمتم جميعاً في حضن البحرين، آمنين مطمئنين..