لم تكن صور التضامن الاجتماعي في أوقات الشدائد والمحن وليدة اللحظة بين أفراد مجتمع البحرين، بل إنها شيم توارثها هذا الشعب النبيل من الآباء والأجداد، الذين غرسوا شعور الانتماء والهوية الوطنية والقيم الفاضلة عبر المواقف الحياتية والقصص الواقعية التي عاصرها السلف في الماضي، لتنهل منها الأجيال سيرة نيرة تثمر عنها حب التآزر والتلاحم المجتمعي.
ويكون التاريخ خير شاهد على تلاحم أهل البحرين في الأزمنة العصيبة التي ذاق مرائرها الناس آنذاك، مكابدين قسوة الحياة والظروف المعيشية بكل صبر وجلد في مواجهة العديد من الأزمات، من بينها الحروب وانتشار الأمراض والأوبئة والأضرار الناجمة عن سوء الأحوال الجوية وغيرها، مستمرين في بناء حياتهم والمضي قدماً.
وفي عام 1940م دخلت البحرين الحرب العالمية الثانية، وكانت من أحلك الفترات الزمنية التي خاض تبعيتها البحرينيون منذ أن استهدفت مصفاة شركة نفط البحرين «بابكو» عبر الغارات الجوية الإيطالية، وتم إعلان الطوارئ تأهباً لمواجهة الضربات الجوية، وقطع الكهرباء، وشح الواردات من السلع الغذائية، وإلى غير ذلك، اشتدت عزائم أهل البحرين بدافع إيمانهم وحبهم لأرض بلادهم في التعاون مع الحكومة التي كانت تضع مصالح الشعب في عين الاعتبار ما جعلها توفر الحلول والبدائل لتيسير الحياة المعيشية على المواطنين، وتنظيم الأنشطة التي كان يعود ريعها على الفقراء والمحتاجين.
وليست الحروب فقط التي كشفت معادن الناس، بل كان تفشي الأمراض والأوبئة في قديم الزمان دليلاً دامغاً على الثراء الأخلاقي التي يتمتع به أهل البحرين منذ بداية انتشار الطاعون عام ١٩٠٣، والذي استمر لأعوام حتى أذن الله بزواله عن البلاد، وفي عام ٢٠٢٠ حلت علينا جائحة كورونا (كوفيد19) ضيفاً غير مرغوب فيه، وحصدت تداعياتها العديد من الأرواح مخلفة ورائها الحزن والألم على من فقدناهم، ولكن عصي على شعب البحرين الاستسلام لقسوة الظروف، فكانت جهود الكوادر الطبية والأطقم الصحية والتمريضية وكافة الجهات والأجهزة المعنية وفرق العمل والجنود المجهولين والمتطوعين من أبناء الوطن يعملون ليلاً ونهاراً، تفانياً في أداء واجبهم لحماية أهلهم ومجتمعهم ووطنهم.
وإلى ما نعيشه الآن في يومنا هذا، وما برهنت عليه الأوضاع الراهنة على استدامة روح العطاء لدى شعب البحرين وغريزة حب العمل التطوعي لديهم في سبيل دفع الأضرار، واستعادة الأمن والاستقرار بتكاتف أيادي العون التي تبني مجتمعات ركائزها السلام والتآخي.إن هذه البلاد خلقت لتعمر وتستمر في توارث خيراتها وعطائها وأمنها، الوطن قطعة من الجسد نفديه بالغالي والنفيس، وكلما استشعرنا عظمة وصايا رسولنا الكريم «صلى الله عليه وسلم»، التي تحث على التماسك والتعاضد كجسد واحد، في قوله: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، ونحن في هذا المملكة المعطاءة علينا تقديم كل ما بالوسع لإبقاء أرضها واحة ترغد بالأمن والاستقرار.