أكد خبير واستشاري التربية الخاصة ومدير مركز «معًا للتربية الخاصة» د. أسامة مدبولي، أن شعار اليوم العالمي لمتلازمة داون لعام 2026 «معاً ضد الوحدة» يحمل رسالة إنسانية عميقة تتجاوز حدود التوعية التقليدية، لتضع الأسرة والمجتمع أمام مسؤولية مشتركة في كسر العزلة التي قد يعيشها الأبناء من ذوي متلازمة داون، وبناء بيئة أكثر شمولاً واحتواءً لهم.
وأوضح مدبولي في تصريحات لـ«الوطن» أن العالم، رغم تسارع وسائل التواصل الحديثة، يشهد تنامياً لظاهرة الوحدة التي وصفتها منظمة الصحة العالمية بـ«الوباء الصامت»، لما لها من آثار نفسية وصحية عميقة، مشيراً إلى أن هذه التحديات تتضاعف لدى الأشخاص ذوي الإعاقات الفكرية، وفي مقدمتهم ذوو متلازمة داون، الذين قد يواجهون عزلة ناتجة عن نقص الإدماج المجتمعي وضعف التفاعل الإنساني الحقيقي.
وبيّن أن الاحتفاء باليوم العالمي لمتلازمة داون، الذي أقرته الأمم المتحدة، وبدأ الاحتفال به رسمياً منذ عام 2012، لا يقتصر على التعريف بالحالة من الناحية الطبية، بل يركز على إبراز قدرات الأبناء وحقوقهم في التعليم والرعاية الصحية والعمل والمشاركة المجتمعية، مؤكداً أن شعار هذا العام يسلط الضوء على جانب مهم يمس حياة الأسر بشكل مباشر، وهو الشعور بالوحدة والعزلة. وأشار إلى أن العديد من الدراسات الحديثة توضح أن نسبة كبيرة من الأشخاص ذوي الإعاقات الفكرية يعانون من الوحدة بشكل منتظم، وهو ما ينعكس على صحتهم النفسية والجسدية، وقد يمتد أثره إلى الأسرة بأكملها، حيث يواجه أولياء الأمور تحديات مضاعفة في توفير بيئة داعمة ومتوازنة لأبنائهم. وفي السياق المحلي، لفت د. مدبولي إلى أن بعض التحديات لا تزال قائمة، من بينها محدودية البرامج الاجتماعية الدامجة وضعف الوعي المجتمعي، ما يسهم في تعميق الإحساس بالعزلة لدى هذه الفئة، مؤكداً أن الحل يبدأ من الأسرة بوصفها الحاضن الأول، من خلال تعزيز ثقة الأبناء بأنفسهم، وتشجيعهم على التفاعل والمشاركة في الأنشطة المجتمعية. وشدد على أن الإدماج الحقيقي لا يتحقق بالشكل فقط، بل يقوم على ثلاثة محاور رئيسية، أولها توفير بيئات ترحيبية يشعر فيها الأبناء بالقبول داخل المدرسة والحي ومرافق المجتمع، وثانيها بناء علاقات إنسانية حقيقية قائمة على الصداقة والدعم المتبادل، وثالثها إشراكهم فعليًا في الأنشطة والقرارات التي تخص حياتهم، بما يعزز شعورهم بالقيمة والانتماء.وأضاف أن الأسرة تلعب دوراً محورياً في هذا الجانب، من خلال فتح المجال أمام الأبناء لتكوين صداقات، والمشاركة في المناسبات الاجتماعية، وعدم حصرهم في دوائر ضيقة، إلى جانب التعاون مع المدارس والمؤسسات لتوفير فرص دمج حقيقية تسهم في تطوير مهاراتهم الاجتماعية. وأكد أن كسر العزلة لا يتطلب دائمًا مبادرات كبيرة، بل يبدأ من ممارسات يومية بسيطة، مثل دعوة صادقة، أو تواصل إنساني مباشر، أو موقف داعم يعزز ثقة الأبناء بأنفسهم، مشيراً إلى أن هذه التفاصيل الصغيرة تصنع فارقاً كبيراً في حياة الأشخاص ذوي متلازمة داون وأسرهم. وتطرق إلى الرمزية الجميلة التي يحملها تقليد «الجوارب المتباينة» في 21 مارس، موضحاً أنه يعكس فكرة تقبل الاختلاف بوصفه عنصراً إيجابياً يثري المجتمع، تماماً كما تكمل الجوارب المختلفة بعضها البعض، مؤكداً أن التنوع الإنساني هو مصدر قوة، وليس نقطة ضعف.واختتم مدبولي تصريحه بالتأكيد على أن بناء مجتمع يحتفي بالانتماء مسؤولية جماعية، تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المدرسة والمؤسسات والجهات المعنية، داعياً إلى تحويل شعار «معاً ضد الوحدة» إلى سلوك يومي وممارسات واقعية، تسهم في كسر الحواجز النفسية والاجتماعية، وتمنح أبناء متلازمة داون فرصة حقيقية لحياة كريمة مليئة بالتفاعل والاندماج.