خالد السعدون

وكيف يكون هذا؟ فهاكمُ البيانَ: فقد علَّقَ اللهُ سُبحانه الخيرَ والفلاح وكذا النَّصرَ والنَّجاحَ بأسبابٍ ظاهِرَةٍ وبلسانٍ عربيٍّ مُبين، فقال عَزَّ وجَلَّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)، محمد: (7).

فقد جاءتِ الآيةُ بالرَّحمة والإحسان، مِن لَدُنٍ عزيزٍ غفَّار سُبحانه وتعالى ربِّنا الرَّحمن، فخَاطَبَ اللهُ المسلمين بكونهم مؤمنينَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، فتلطَّفَ بهم استمالةً لِقُلِوبهم وتشريفاً لِذِكْرِهم ليكونوا أطْوَعَ لِمَا يُلقى إليهم من حُكْمٍ وأمْرٍ، وأوعى لِمَا يستمِعُونَهُ من تحذيرٍ وزَجْر، ثم شَرَطَ اللهُ سُبحانَهُ وتعالى عليهم شرطَهُ وسهَّل لهم أمرَهُ، فقال: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ)، فهو شرطٌ واحِدٌ لا غيرُ، «وتقليلُ الأوامر والاشتراطات مَدْعاةٌ للحضِّ على تحقيقِ الثَّمرات»، ثُمَّ أردَفَهُ الحقُّ سُبحانه بالمشروط –وبِلَا فَصْلٍ وَلَا طَوْلٍ- إشارةً إلى أنَّ اللهَ لا رادَّ لِحُكمِهِ، ولن يُخلِفَ في وعدِهِ، ولن يَخذُلَ في نصرِهِ، فما إنْ يُؤتى بالشَّرط -وهو نَصْرُنا لله- فالمشروطُ -وهو نَصْرُ الله وفتحُهُ- سيتنزَّلُ علينا: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)، آل عمران: (160).

وهذا فَصْلٌ في بيانِ شيءٍ من نُصْرتنا لله:

فقد أوْجَبَ اللهُ علينا طاعتَهُ وطاعةَ رسولِهِ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنَّا، وتِلكمُ الطَّاعاتُ الثَّلاثُ شرطٌ للنَّصر والاجتماع، وضِدُّها تفرُّقٌ وابتداع، وبيانُهُ في قولِهِ سُبحانَهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)، النساء: (59).

ولا يكونُ اجتماعٌ على شيءٍ إلَّا بتركِ التَّنازُعِ فيه، ولو وقَعَ شيءٌ من خِلافٍ -لاختلافٍ في دُنيا أو دِيْنٍ- فيُدفَعُ ويُرفَعُ الخِلافُ بالردِّ لله وسُنَّةِ نبيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آلِهِ وَسَلَّمَ، وكما قال الملِكُ سُبحانَهُ وتعالى في تمامِ الآيَةِ: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً).

فالطَّاعاتُ ثلاثٌ، وآخِرَتُها لا تَخرجُ عَنِ الأُوْلَيَيْنِ؟ إذْ لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالِقِ، فَمِنْ نُصرتنا لله طاعتُهُ ورسولِهِ، فإذا سمِعنا وأطَعْنا اجْتَمَعْنا واللهِ، ثُمَّ فُزْنا وربِّ الكعبةِ وانتصرنا: (وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً)، النساء: (122).

فصار الشَّرْطُ الأكْبَرُ للنَّصْر -إجمالاً وتأصيلاً- نَصْرَ الله، ومِنْ نُصْرةِ الله طاعتُهُ وطاعةُ رسولِهِ ومَنْ تولَّى أمرَنا مِنَ المُسلمين، فأضْحَتْ طاعَةُ الأمير بالمعروفِ شَرطاً من شُروطِ النَّصر والتَّمكين، وسبباً للاجتماع يُرهِبُ الزائِغين.

وكيف نجتمِعُ ولا نتفرَّقُ؟!

فالطَّاعَةُ تحقيقُ مرضاةِ الله وعلى طريقةِ نبيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، ومِنْ أسبابِها أنْ نُطيعَ مَنْ ولَّاهُ اللهُ أمرَنا مجتمعينَ عليه مُتآلِفين، وأكبَرُ الطَّاعةِ وخيرُها أنْ تجتمع حينَ البأساءِ والضَّرَّاء، وحينَ المِحَنِ والفِتَنِ، وهذا ظاهِرٌ بُرهانُهُ، وكما تقدَّم بيانُهُ: فطاعةٌ لله وطاعةٌ لِرَسُولِهِ، ثُمَّ اجتماعٌ عليهما بدولةٍ وسُلطانٍ، ثُمَّ صَبْرٌ على تلك الجادَّةِ البيضاء النَّقيَّةِ، ونَبْذٌ للتفرُّقِ والتَّنازُعِ والعَصَبيَّةِ، فهذه هي الطَّريقةُ والمِنهاجُ الَّذي يأتي بالعَجَبِ نَصْراً وفتحاً وتيسيراً: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)، الأنفال: (46).

فالمُسلِمُ بإخوانِهِ يتقوَّى ويتكامل، ثُمَّ لا يتدافَعُ معهم ولا يتقاتَل! إذِ المسلمونَ كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عُضْوٌ تَدَاعى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَر والحُمَّى، وهُم كالبُنيانِ يشدُّ بعضُهُ بعضاً: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، الحجرات:(10).

وما فَضْلُ الاجتماعِ على وليِّ الأمْر؟

فلقد أشَرْنا فيما تقدَّم بأنَّ الاجتماعَ لا يكونُ إلَّا على الحاكم ودولتِهِ وسُلطانِهِ، فحَفِظَ اللهُ وِلاةَ أمرِنا في مملكة البحرين، حَفِظَ الله مَلِكَنا ووليَّ عهدِهِ قائِمَيْنِ بما يُرضي اللهَ ربَّنا، وأيَّدَهم بنصره وهُداهُ وتُقاه، وسدَّدَ منهمُ الرَّميَ، وأثْخَنَ به عدوَّهم فأرداهُ وأهلكَه، ولسائِرِ المُسلمين مِنَ الخيرِ بمثلِ ما دَعَوْنا لمملكتنا من خير، وحَفِظَ اللهُ القائِمينَ على أمْنِنا من قادَةٍ وأُمراءَ ووُزراءَ وجُندٍ، حفِظَهُم ربي بالسَّلامة والإسلام، وأسْبَغَ عليهمُ الأمْنَ والإيمان، وجزاهُم عنَّا كُلَّ خيرٍ، فهذا كتابُ ربِّنا يقضي بالحقِّ ولا يأتي إلَّا بالحق: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)، فالأميرُ جُنَّةٌ لرعيَّتِهِ أيَّامَ المِحَنِ:

روى البُخاريُّ (2957) ومسلمٌ (1841) من حديثِ أبي هُريرةَ مرفوعاً: «وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ، فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْراً، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ»، ولمسلم: «وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ».

فالاجتماعُ على مَلِكِنا ووليِّ أمرِنا وطاعتُهُ بالمعروف وِقايَةٌ وحِفظٌ للبِلادِ حين البأسِ والفِتَن! بل ودعوتُهُ ودعوةُ رعيَّتِهِ معه مُستجابَةٌ حينَ ذاك الحالِ والمآل، وكما صحَّ بذلك الأَثرُ عندَ أحمدَ في مُسندهِ (21590) من حديثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ إذْ سَمِعَ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: «ثَلَاثُ خِصَالٍ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ أَبَدًا: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ».

فهذه الثَّلاثُ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ، يَصدُقُ فيها قلبُ المؤمنِ ويَنصَحُ ولا يَغُشُّ ولا يَخُون، وبها يتحقَّقُ إنْ شاءَ اللهُ حينئذٍ للنَّاس نصرُهم، ويقومُ فيهم إيمانُهم وعِزُّهم، وإذا كان ذلك كذلك فدعوتُهم حينئذٍ مُستجابَةٌ! وبركتُها تتعدَّى ذواتِهم وأشخاصَهم إلى ديارِهم وأوطانِهم، وإلى مَتَاعِهم وأموالهم فضلاً عَنْ أولادِهم وأزواجِهم، بل ولو دعا بها بعضُهم دونَ جَمْعِهِم! لأصابَتْ بركتُها كبيرَهُم وصغيرَهم، ولعلَّها تُصيبُ برحمةِ الله وفضلِهِ مُحسِنَهم وفاجِرَهم! فضلاً من الله وإحساناً، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

ومن أعظَمِ النُّصح حين الفِتَنِ أنْ تكون ناصِراً مُشَجِّعاً لا مُخَوِّراً مُتَرَبِّصاً:

ومن لطيفِ أدِلَّةِ هذه الطَّريقة والمِنهاج ما رواهُ البخاري (3952) عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «شَهِدْتُ مِنَ المِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ مَشْهَدًا، لَأَنْ أَكُونَ صَاحِبَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ، أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَدْعُو عَلَى المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: لاَ نَقُولُ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ، وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَخَلْفَكَ! فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْرَقَ وَجْهُهُ وَسَرَّهُ، يَعْنِي: قَوْلَهُ».

فهذا ابنُ مسعودٍ المُهاجِرُ المُجاهِدُ وهُوَ السَّابِقُ العالِمُ، بل وهُوَ حافِظُ القُرآن ذو الدُّعاء المُستجاب، وكما روى أحمدُ (175) عَنْ عُمَرَ مرفوعاً: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَطْبًا كَمَا أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ»، ومع ذلك فابنُ مسعودٍ هذا ما كان يعدِلُ سبقَهُ هذا كُلَّهُ بكلمةٍ وموقِفٍ قامَ به المِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ بين يدي رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ناصِراً له ومُؤيِّداً ومُظاهِراً، وذلك حينما قال: «لاَ نَقُولُ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ، وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَخَلْفَكَ».

فواللهِ ما كلماتُ المِقدادِ مَحْضَ كَلِمَاتٍ! بل كأنَّها آياتٌ بيِّناتٌ رَبَطَ بها على قلبِ نبيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فشدَّ بها من أزرِهِ وأسندَ بها على ظهرِهِ، وهذا هُوَ السَّبقُ واللهِ ربي، فما أفقهَ المِقدادَ! وما أسبقَهُ! إذْ وُفِّقَ لهذه الكلِماتِ، وكأنَّها جُنْدٌ مِنَ السَّموات! فلا إلهَ إلا اللهُ، فما أكرم الصَّحابَةَ! وما أعظمَهُم، فلِلَّهِ درُّهم، فلقدِ اصطفاهمُ اللهُ ربُّهم، والحمدُ لله ربِّ العالمين.