عبدالله صويلح
- في مستهل المقال أريد أن أقتبس ما تفضل به سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة، في يوم الشباب البحريني عندما قال: البحرين لا تقاس بحجمها، وقد علّمت العالم درساً لا ينسى أن القوة ليست بالمساحة بل بالثبات، ولا بالعدد بل بالوحدة، ولا بالصوت بل بالموقف، وأُشيد بما قاله سموه بأن هذا الوطن لا يقاس بعدده، بل بجوهره الذي لا يشبه سواه، شعب إذا اشتدت الخطوب وقف كالسد المنيع، لا تهزه العواصف ولا تكسره الأزمات، وإذا أشرقت الأفراح كان أول المهنئين، يوزع البهجة كما يوزع الأمل، هو شعب لا يخلط بين الغضب والفرح، بل يزن الأمور بميزان الحكمة، ويختار التوقيت الذي يليق بكل شعور، فلا تطغى عليه العاطفة ولا تجره الانفعالات، يعرف أن لكل مقام مقال، ولكل ظرف سلوك، فلا يفرط في كرامته ولا يبخس جهده في سبيل وطنه، يمضي بثبات مؤمناً أن البناء لا يقوم إلا بعقول راجحة وقلوب مخلصة، وأن الأوطان تصان بسواعد أهلها ووعيهم، هنا تتجلى قيمة الإنسان البحريني، الذي يرى في عطائه واجباً، وفي حبه لوطنه عقيدة لا تتبدل.
- ومع بداية اندلاع الحرب، لم يكن هذا الشعب إلا على قدر التحدي، مستجيباً لكل ما صدر من الجهات المختصة من تعليمات، بل ومتجاوزاً ذلك أحياناً بروح المبادرة والمسؤولية، لم يتوقف نبض الحياة ولم تتعطل تفاصيل يومه، بل استمر في ممارسة روتينه بثقة وهدوء، وكأن الطمأنينة تسكن في داخله رغم كل ما يدور حوله، نفذ الإرشادات بدقة، وحرص على سلامته وسلامة من حوله، فكان نموذجاً يحتذى به في الالتزام والانضباط، لم يكن الخوف سيد الموقف، بل الوعي هو القائد، فترجم هذا الشعب للعالم معنى الوفاء الحقيقي، حين صان وطنه بسلوكه قبل كلماته، أصبح بحق خط الدفاع الأول، لا بسلاحه بل بعقله، وبحسن تعامله مع كل مستجد، ليؤكد أن الشعوب الواعية هي الحصن الأقوى في وجه الأزمات.
- وفي مختلف فئات المجتمع، برزت صورة متكاملة لهذا الوعي، حيث اجتمع رجال ونساء الوطن بحكمتهم، وأصحاب القرار منهم بمسؤوليتهم، والأبناء من ذكور وإناث بحماسهم ووعيهم، ليشكلوا لوحة وطنية متماسكة. منذ الأيام الأولى للحرب، انشغل الجميع بزرع حب الوطن في نفوس الصغار، وتعليمهم أن الطمأنينة تُصنع بالإيمان والالتزام، لا بالخوف والهلع، كان التوجيه مستمراً بأن يكونوا أقوى من الظروف، وأكثر التزاماً بالتعليمات وأن يحملوا في قلوبهم معنى المواطنة الصادقة، ازداد الترابط بين أفراد المجتمع، وتجلت القيم النبيلة في أبهى صورها، من تعاون وتكافل وتراحم، ولم يقتصر هذا الشعور على الداخل، بل امتد ليشمل مواساة الأشقاء في دول المنطقة المتضررة، في مشهد إنساني يعكس أصالة هذا الشعب وعمق انتمائه.
- أما الفئة الذهبية، فقد كانت حاضرة منذ اللحظة الأولى، وهم المتطوعون الذين لبوا نداء الوطن دون تردد ملبين واجبهم بروح تعكس أعلى درجات الانتماء، انخرطوا في مختلف المؤسسات يساندون إخوانهم العاملين، ويسدون أي نقص قد يطرأ، ليضمنوا استمرار عجلة العمل دون خلل، لم ينتظروا المقابل ولم يبحثوا عن الأضواء، بل جعلوا من العطاء رسالة، ومن التطوع شرفاً، كانوا عوناً لكل جهة، ويداً إضافية لكل مسؤول، يعملون بصمت وإخلاص، ليؤكدوا أن الوطن لا يقوم فقط بمؤسساته، بل بأبنائه الذين يهبون لخدمته وقت الحاجة، هذه الروح التطوعية لم تكن وليدة اللحظة، بل هي امتداد لقيم راسخة في المجتمع البحريني، الذي يؤمن أن خدمة الوطن مسؤولية مشتركة.
- لا توجد خاتمة لمدح أبناء هذا الوطن، ولكن تتجلى حكمة الشعب البحريني كنموذج يُحتذى به بين شعوب العالم، حيث نرى الوعي في كل تصرف، والحذر في كل موقف، والالتزام عند كل نداء، نرى الاستجابة لدوي صفارات الإنذار بروح منضبطة، ونرى التلاحم الاجتماعي يتعاظم في كل تواصل وسؤال واطمئنان، كل ذلك ينبع من طمأنينة راسخة في نفوس الناس، نابعة من ثقتهم برجال الدفاع الذين يسهرون على حماية الوطن، يقفون بثبات على ثغوره، لا تغفل أعينهم ولا تتراجع عزيمتهم.
- فشكراً لهذا الشعب الذي أثبت أن الوعي قوة، وأن الوحدة درع، وأن الوطن يستحق كل هذا الحب، شكراً للوعي الدائم، فأنتم بحق نموذج لا مثيل له، وصورة مشرّفة لوطن يكتب اسمه بماء الفخر