حسين علي غلوم

في الأوقات التي تضطرب فيها المنطقة، وتكثر فيها الأخبار المتسارعة، وتتزاحم فيها التحليلات والتأويلات، يصبح الوعي الوطني ضرورة لا رفاهية، وتغدو مسؤولية الكلمة أكبر من أي وقت مضى. فالمجتمعات لا تُختبر فقط بما يحيط بها من أحداث، بل تُختبر أيضًا بقدرتها على حفظ تماسكها الداخلي، وعلى التعامل مع المستجدات بعقل، وعلى التمييز بين ما هو حقيقة وما هو مجرد شائعة أو تهويل أو استدراج للقلق.

ومن هنا، فإن الحديث عن اللحمة الوطنية في هذه المرحلة ليس حديثاً عاماً يُقال في المناسبات، ولا موضوعاً يُطرح من باب المجاملة الخطابية، بل هو من صميم المسؤولية الوطنية، ومن جوهر الحاجة إلى خطاب متزن يحفظ المجتمع، ويعزز الثقة، ويمنع الانزلاق خلف موجات الإشاعة والاضطراب. فاللحمة الوطنية ليست مجرد تعبير جميل، وإنما هي حالة وعي جماعي، وشعور مشترك، والتزام عملي بأن يبقى الوطن فوق كل اعتبار.

وفي مملكة البحرين، فإن هذه القيمة ليست جديدة ولا طارئة. فمن يعرف البحرين جيدًا، يعرف أن قوة هذا الوطن لم تكن يوماً في إمكاناته المادية وحدها، بل في تماسك مجتمعه، وفي وعي أهله، وفي قدرتهم على تجاوز التحديات بروح مسؤولة لا تنجرف خلف الانفعال، ولا تسمح للظروف أن تعبث بثوابتها. وقد أثبتت التجارب أن الأوطان التي يحكمها العقل، وتحميها الوحدة الداخلية، تكون أقدر على عبور المراحل الحساسة بأقل الخسائر وأكثر الثبات.

وأخطر ما يواجه المجتمعات في مثل هذه الظروف ليس فقط ما يقع على الأرض من أحداث، بل ما يُبث في العقول من شائعات، وما يُزرع في النفوس من قلق، وما يُتداول بين الناس من معلومات غير موثقة قد تتسع آثارها في وقت قصير. فالشائعة ليست أمراً بسيطاً كما يظن البعض، وليست مجرد خبر غير مؤكد ينتهي أثره عند حدود الكلام، بل قد تكون سبباً مباشراً في إثارة البلبلة، وتشويش الوعي، وإضعاف الثقة، وفتح المجال أمام التوتر والتأويلات غير المنضبطة. ومع اتساع فضاء التواصل وسرعة انتقال المعلومة، لم يعد من المقبول أن يتعامل الإنسان مع ما يصله بخفة أو تسرع. بل أصبح التثبت واجبًا، وأصبح التروي ضرورة، وأصبح السؤال عن المصدر والمصداقية جزءًا من السلوك الوطني المسؤول. لأن إعادة نشر معلومة غير دقيقة لا تقف عند حدود الشخص الذي نشرها، بل قد تمتد آثارها إلى الأسرة، والشارع، والرأي العام، وربما إلى صورة الوطن ذاتها في لحظة دقيقة لا تحتمل العبث أو الاستسهال.

ومن الناحية القانونية، فإن هذه المسألة لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد شأن أخلاقي أو اجتماعي فقط، لأن القانون في جوهره وُضع لحماية المجتمع وصيانة النظام العام ومنع كل ما يهدد استقراره أو يعبث بسكينته. ولا شك أن حرية الرأي والتعبير مبدأ مهم ومحل تقدير، لكن هذه الحرية، في أي دولة قانون ومؤسسات، لا تنفصل عن المسؤولية، ولا يجوز أن تتحول إلى غطاء للفوضى المعلوماتية، أو إلى ذريعة لترويج ما لم يتم التحقق منه، أو إلى وسيلة لإثارة القلق وإضعاف الطمأنينة العامة.

فحين تُنشر الأخبار دون تثبت، أو تُتداول الشائعات على أنها حقائق، أو يُعاد إنتاج الكلام غير الموثوق بطريقة توسع أثره وتمنحه مصداقية زائفة، فإن المسألة هنا لم تعد مجرد رأي، بل أصبحت فعلًا له أثر، والأثر متى تعلق بأمن المجتمع واستقراره وثقته العامة، أصبح محل نظر ومسؤولية. وهذا الفهم القانوني لا ينتقص من الحريات، بل يحميها من أن تُساء ممارستها، ويحفظ للمجال العام توازنه، ويصون المجتمع من نتائج الاستعجال والتهويل وسوء التقدير.

لكن الحقيقة التي يجب أن تبقى حاضرة هي أن القانون، رغم أهميته، ليس وحده كافيًا. فالمجتمعات لا يحميها النص وحده إذا غاب الوعي، ولا يكفي فيها الردع إن لم تترسخ ثقافة المسؤولية. ولذلك فإن الحاجة اليوم هي إلى بناء وعي مجتمعي راسخ يؤمن بأن الكلمة أمانة، وأن الوطنية لا تظهر فقط في الشعارات، بل في طريقة التعامل مع الخبر، وفي مستوى الانضباط عند الأزمات، وفي القدرة على تهدئة المشهد بدل المساهمة في توتيره.

كما أن الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والنخب الفكرية والقانونية، جميعها تقع عليها مسؤولية كبيرة في ترسيخ هذا الوعي. فالمجتمع الذي يتعلم أفراده التثبت، ويحترمون الكلمة، ويعرفون الفرق بين المعلومة والرواية، وبين الرأي والتحريض، هو مجتمع أكثر مناعة وأقدر على حماية نفسه من أي اختراق معنوي أو اضطراب نفسي أو استهداف غير مباشر. وعلى المستوى الاجتماعي، فإن الحفاظ على اللحمة الوطنية يعني قبل كل شيء أن نُدرك أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام، وأن الظرف الإقليمي مهما كان دقيقًا لا يجوز أن يُستغل لإضعاف الجبهة الداخلية أو إدخال المجتمع في دوائر التشنج والتجاذب.