• - اليوم العالمي للتوحد أصبح محطة سنوية لإعادة تقييم نظرة المجتمعات
  • - «لكل حياة قيمة» شعار يؤكد أن كل شخص هو إنسان كامل الحقوق
  • - وسائل الإعلام لها دور حاسم في تشكيل الصورة الذهنية عن التوحد
  • - النقاش انتقل من « الفرد» إلى تهيئة البيئة لتكون أكثر تقبلًا وعدلاً ومرونة
  • - التوعية لم تعد كافية ما لم تتحول لسياسات عملية تضمن الكرامة والمشاركة
  • - الأسرة لا يقتصر دورها على الرعاية اليومية ويمتد للفهم والدعم والتدريب
  • - مناسبة لمراجعة إنسانيتنا وطريقة تعاملنا مع من يختلف عنا

قال الخبير والاستشاري في التربية الخاصة ومدير مركز «معاً» للتربية الخاصة د. أسامة أحمد مدبولي إن اليوم العالمي للتوعية باضطراب طيف التوحد، الذي يُحتفل به في الثاني من أبريل من كل عام، لم يعد مجرد مناسبة رمزية تقتصر على إضاءة المباني باللون الأزرق أو نشر رسائل توعوية عابرة، بل أصبح محطة سنوية مهمة لإعادة تقييم نظرة المجتمعات إلى الأشخاص ذوي التوحد، وحقوقهم، وقدراتهم، ومكانتهم في الحياة العامة، موضحاً أن التوحد تنوع عصبي لا خلل والمجتمع مطالب بالتكيّف لا الإقصاء. وأضاف مدبولي في تصريحات لـ«الوطن» بمناسبة اليوم العالمي للتوحد، أن نسخة عام 2026 تحمل بُعدًا أعمق من خلال شعار «التوحد والإنسانية.. لكل حياة قيمة»، وهو شعار لا يكتفي بالدعوة إلى زيادة الوعي، بل يؤكد أن كل شخص ضمن طيف التوحد هو إنسان كامل الحقوق والكرامة، وأن قيمته لا تُقاس بمدى توافقه مع القوالب الاجتماعية، بل بإنسانيته وحقه في القبول والدعم والفرص العادلة.

وأوضح الخبير والاستشاري في التربية الخاصة أن الخطاب العالمي حول التوحد شهد خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظًا، حيث لم يعد التركيز منصباً فقط على التحديات والصعوبات، بل برزت توجهات حديثة تعتمد مفهوم «التنوع العصبي»، الذي ينظر إلى الاختلافات العصبية باعتبارها جزءاً طبيعياً من التنوع البشري، وليس خللاً أو نقصاً. وأشار إلى أن هذا التحول يعكس تغييراً جوهرياً في الفلسفة، إذ انتقل النقاش من محاولة «إصلاح الفرد» إلى البحث في كيفية تهيئة البيئة لتكون أكثر تقبلًا وعدلاً ومرونة.

وبيّن مدبولي أن أهمية هذا اليوم في عام 2026 تتضاعف في ظل استمرار انتشار بعض المفاهيم الخاطئة والصور النمطية التي تختزل الأشخاص ذوي التوحد في تشخيصهم فقط، مؤكدًا أن التوعية لم تعد كافية ما لم تتحول إلى سياسات عملية وخدمات عادلة وممارسات يومية تضمن الكرامة والمشاركة الفعلية. وأكد أن شعار «لكل حياة قيمة» يعكس موقفًا حقوقيًا واضحًا يتقاطع مع مبادئ حقوق الإنسان واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وأهداف التنمية المستدامة، ما يجعل التوحد قضية مجتمعية وتنموية وأخلاقية، وليس مجرد مسألة صحية أو تربوية.

وأشار الخبير والاستشاري في التربية الخاصة إلى أن الأسرة تبقى الركيزة الأساسية في حياة الشخص ذي التوحد، حيث لا يقتصر دورها على الرعاية اليومية، بل يمتد إلى الفهم والمتابعة والدعم والتدريب والتكيّف المستمر، لافتًا إلى أن رحلة الأسرة تبدأ من ملاحظة الاختلاف مرورًا بالتشخيص، ثم البحث عن أفضل أساليب التدخل والدعم، وصولًا إلى بناء بيئة منزلية آمنة ومحفزة. وأكد أن ما يحتاجه الأهل بشكل أساسي هو المعرفة العملية، مثل كيفية التواصل مع الطفل، وتنظيم الروتين اليومي، وتقليل التوتر، ودعم الجوانب الاجتماعية والانفعالية، مشددًا على أهمية وجود منظومة إرشاد وتدريب ترافق الأسرة في مختلف المراحل.

وأضاف أن المدرسة تمثل محوراً مهماً في تشكيل تجربة الطفل، سواء من حيث القبول أو الرفض، مؤكدًا أن التعليم الدامج لا يعني مجرد وجود الطالب داخل الصف، بل هو منظومة متكاملة تشمل تكييف المناهج، وتدريب المعلمين، وتوفير الدعم المتخصص، وتعزيز ثقافة احترام الاختلاف. ولفت إلى أن المدرسة الدامجة الحقيقية هي التي تتكيف مع الطالب، من خلال تهيئة البيئة التعليمية، وفهم الحساسيات الحسية، واستخدام الوسائل البصرية، وتقديم التعليم بمرونة، ومنح الوقت الكافي، والتعامل مع السلوك بوصفه رسالة تحتاج إلى فهم لا إلى عقاب.

وتطرق مدبولي إلى مرحلة ما بعد التعليم، مؤكدًا أن العديد من الأشخاص ذوي التوحد يمتلكون مهارات عالية مثل الدقة والتركيز والانتباه للتفاصيل، وهي مهارات مطلوبة في قطاعات متعددة، إلا أن فرص العمل المتاحة لهم لا تزال محدودة مقارنة بقدراتهم. وأشار إلى أن تمكين هذه الفئة يتطلب توفير بيئات عمل مرنة، وتكييف المهام، واحترام الفروق الفردية، مؤكدًا أن دمجهم في سوق العمل لا يعود بالنفع عليهم فقط، بل يعزز تنوع وإنتاجية المؤسسات.

وأكد أن للإعلام دوراً حاسماً في تشكيل الصورة الذهنية عن التوحد، حيث إن تقديم القضايا بلغة علمية متوازنة يسهم في تعزيز الفهم، بينما يؤدي الطرح القائم على الإثارة أو الشفقة إلى تعميق سوء الفهم وزيادة العزلة. ودعا إلى أن يكون التعامل مع التوحد مسؤولية مشتركة تشمل الإعلام، والمؤسسات التعليمية، والجهات الرسمية، ومنصات التواصل الاجتماعي، باعتباره قضية إنسانية شاملة وليست مناسبة موسمية.

وشدد الخبير والاستشاري في التربية الخاصة على أهمية مبدأ «لا شيء عنا دوننا»، موضحًا أن الأشخاص ذوي التوحد يجب أن يكونوا جزءًا من صياغة السياسات وتصميم البرامج وإعداد الرسائل، لا مجرد موضوع للنقاش، لأن إشراكهم يضمن نقل التجربة الحقيقية واحتياجاتهم الفعلية. واختتم مدبولي تصريحه بالتأكيد على أن شعار هذا العام يعيد تذكير المجتمع بأن العدالة لا تُقاس بقدرة الأفراد على التشابه، بل بقدرة المجتمع على الاحتواء، وأن الاختلاف يمثل فرصة لفهم أعمق للإنسان، مشيراً إلى أن هذه المناسبة ليست فقط للحديث عن التوحد، بل لمراجعة إنسانيتنا وطريقة تعاملنا مع كل من يختلف عنا.