قد تقدَّم معنا أنَّ مِنْ نَصْرِ اللهَ الذي نُنْصَرُ به إنْ شاء اللهُ في هذه الحرب هو الاجتماعَ على وليِّ أمرِنا؟! وكما صحَّ عندَ أحمدَ (21590) عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مرفوعاً: «ثَلَاثُ خِصَالٍ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ أَبَداً: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ»:
فالتَّوحيدُ أصلُ عِباداتِنا، وسببُ خَلْقِنا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وفي هذا الحديثِ عُطِفَتِ المُنَاصَحَةُ على التَّوحيد: «إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ» والمُنَاصَحَةُ على وَزْنِ مُفاعَلَة، فننصَحُ للوِلاةِ، وهُم لنا يَنصَحون، ومِنَ النُّصحِ لهم أنْ نُطيعَهُم فيما أمَرَوا به من بِرٍّ وتقوى، ثُمُّ لُزومُ جماعتِهِم، وتِلْكَ هي بيعتُنا لهم التي لا تنفكُّ عنها رِقابُنا: روى البُخاريُّ (7053) ومسلمٌ (1849) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مرفوعاً: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئاً فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ [وبروايةٍ للبخاريِّ (7054): «فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ»] شِبْراً مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً».
فالطَّاعَةُ لولاة أمرِنا واجِبَةٌ في كُلِّ حِيْنٍ، ولو كَرِهْنا منهم شيئاً، فلُنَصْطَبِرْ عليها، ولْنبذُلْها بحقِّها، فكيف في هذه الفِتنة؟ ونحنُ أَحْوَجُ ما يكونُ للاجتماع والتَّناصُرِ، لا التَّدافُعِ والتَّنافُر، وكذا فنحن نُريدُ شريفَ الأقوال والفِعال، لا ضعيفَ الهِمَمِ وما يُقال للتَّفاخُر، ولِذا فالوفاءُ اليومَ بهذه البيعةِ والقيامُ بحقِّها آكَدُ وأوْجَبُ وأحَبُّ، فاثْبُتوا يا أهْلَ البحرينِ عِزَّةً ورِفْعَةً! فما النَّصْرُ إلَّا ثَبَاتُ ساعَةٍ على حقٍّ.
ومِنَ عجيبِ ما جاء فيمن مات وليس في عُنُقِهِ بيعةٌ!
روايَةُ مُسْلِمٍ (1851) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ مرفوعاً: «مَنْ خَلَعَ يَداً مِنْ طَاعَةٍ، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً».
فكيفَ بِمَنْ يخرجُ عن طاعة أميرِهِ؟! فحسبُهُ أنَّهُ يَلْقَى اللهَ ولَا حُجَّةَ لَهُ!
وهذه مُناظِرَةٌ بين عُمَرَ وعمَّار:
والصَّحيحُ أنَّها لطيفةٌ في الطَّاعة، وبِفَهْمِ الصَّحابَةِ: فقد روى مسلمٌ (368) عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءً؟
فَقَالَ: لَا تُصَلِّ! فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدْ مَاءً، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ! وَصَلَّيْتُ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ، ثُمَّ تَنْفُخَ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ، وَكَفَّيْكَ.
فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللهَ يَا عَمَّارُ! قَالَ: إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ». زَادَ مُسْلِمٌ في روايةٍ له: «إِنْ شِئْتَ -لِمَا جَعَلَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ حَقِّكَ- لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَداً»، وزادَ أحمَدُ (18333): «فَقَالَ عُمَرُ: بَلَى نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ».
فهذا عمَّارٌ وهو مِنْ أوائِلِ مَنْ أسلَموا مِنَ المُهاجِرينَ، بل هُوَ ابْنُ سُمَيَّةَ أوَّلِ شهيدةٍ في الإسلام! فقَدْ فَهِمَ الطَّاعةَ بأجْمَلِ صُورةٍ، فقال لعُمَرَ: «إِنْ شِئْتَ لِمَا جَعَلَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ حَقِّكَ لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَداً».
فقدِ حَفِظَ عمَّارٌ قولَ الحقِّ سُبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، فتاوَّل الحديثَ حقَّ تأوُّلِهِ: وقَالَ: «إِنْ شِئْتَ لِمَا جَعَلَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ حَقِّكَ لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَداً».
ولكنْ هَلْ رَضِيَ عُمَرُ منه ذلك؟ كلَّا واللهِ، فعُمَرُ لا يَرُدُّ النُّصُوصَ، ولكنَّهُ نَسِيَ فاستبرأ لنفسِهِ فقال: «بَلَى نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ».
فللهِ درُّكم صحابَةَ رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلقد نَقلتُم الدِّينَ غضَّاً طريَّاً كما أُنزِلَ، وكذا فعمَّارٌ لم يتْرُكِ العملَ بالحديثِ، وإنَّما طاوعَ عُمَرَ على مُرادِهِ فيما لو أراد ألَّا يُحدِّثَ به، فَفَرْقٌ بين العملِ بالحديثِ والتَّحديثِ به؟ فعُمَرُ الإمامُ الوَرِعُ لم يرتضِ لعمَّارٍ تركَ العملِ بالحديثِ، كلا واللهِ، بل ولم يمنعْهُ مِنَ التَّحديثِ به أصلاً!
فصارتْ طاعَةُ الأميرِ -بفَهْمِ عمَّارٍ وعُمَرَ- واجِبَةً مرضيَّة فيما كان من أمر الدُّنيا والدِّين، فكيف بها أيَّامَ المِحَنِ والفِتَن!
ومتى يَفخَرُ المُسْلِمُ بطاعته وبيعتِهِ: ؟!
والحقُّ ألَّا فَخْرَ إلَّا في موضع الفَخْرِ، ولا مكانَ للفخر إلَّا بحقِّهِ، ولا حقَّ أحقُّ من اللهِ ودينِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، [لقمان: (30)].
فطاعةُ وليِّ الأمر شَرَفٌ وحَظٌّ وافَقَ حقَّاً!
وخيرُ الطَّاعةِ والبيعةِ أنْ تكون عند حُسْنِ ظنِّ إمامك والصَّالحين من إخوانِك زمانَ الحُروب والفِتَن! يومَ يَبينُ المِقدامُ والفاضِلُ بينونةً كُبرى عَنِ الكاذِبِ والنَّاكِل، فيتميَّزُ بشريف أفعالِهِ وأقوالِهِ عَنْ كُلِّ رِعْدِيْدٍ وخاذِل.
وهذه حِكايةٌ لأوَّلِ ابتلاءٍ ابتُلي به المؤمِنونَ! وفيها نُصرةُ الرَّعيَّةِ للإمام!
فمعلومٌ أنَّ سببَ هذه المعركةِ كان اعتراضَ المسلمين لقافِلَةِ أبي سُفيان، وكما روى ذلك مُسْلِمٌ (1779) عَنْ أَنَسٍ، وفيه: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاوَرَ حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ.
قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ! ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ! فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا! وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا! قَالَ: فَنَدَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْراً»، وساقَهُ، وفيه نَصْرُ اللهِ الَّذي نَصَر به رسولَهُ وجُنْدَهُ وهُم أذِلَّةٌ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، [آل عمران:123]
وأَذِلَّةٌ ها هُنا بمعنى أنَّهم قِلَّةٌ في عُدَّتِهم وعَدَدهم، ضُعفاءُ في مواردِهِم وأموالِهم، ولكنَّهُم أقوياءُ بإيمانهم وعقيدتِهم، رِضوانُ الله عليهم: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، [الأنفال: (26)].
وأمَّا خيرُ البيعة فالقيامُ بمقتضاها حينَ الحاجة إليها؟
وسأُمَثِّلُ لهذا القول بمقامِ ابنِ عُمَرَ في أهلِهِ وحَشَمَهِ وهو يُذكِّرُهم ببيعتِهم، وهذا هو مَقامُ العالِمِ في النَّاس حين الفِتنة والبأس، روى ذلك مسلمٌ (7111) عَنْ نَافِعٍ، فحينما خَلَعَ أَهْلُ المَدِينَةِ إمامَهُم جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ، حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ! «فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإنِّي لاَ أَعْلَمُ غَدْراً أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ القِتَالُ، وَإِنِّي لاَ أَعْلَمُ أَحَداً مِنْكُمْ خَلَعَهُ، وَلاَ بَايَعَ فِي هَذَا الأَمْرِ، إِلَّا كَانَتِ الفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ».
وخيرٌ منها بيعةُ الصَّحابَةِ أهْلِ الشَّجرة على الثَّباتِ وألَّا يفِرُّوا:
فتلك بيعةٌ خلَّدَها اللهُ في كتابِهِ إلى يومِ يُبعَثُ مَنْ في القُبُور: ولقد رواها مُسْلِمٌ في صحيحه (1858) عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ الشَّجَرَةِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَايِعُ النَّاسَ، وَأَنَا رَافِعٌ غُصْناً مِنْ أَغْصَانِهَا عَنْ رَأْسِهِ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، قَالَ: لَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ، وَلَكِنْ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ».
ولها شاهِدٌ عند مُسْلِمٍ (1856) عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفاً وَأَرْبَعَ مِائَة، فَبَايَعْنَاهُ، وَعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَهِيَ سَمُرَةٌ، وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ، وَلَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ». وللحديث بقية.