مها الدخيل

يعتبر الذكاء الاصطناعي أداة حاسمة في تشكيل طبيعة الحروب والتوترات الجيوسياسية الحالية، حيث تمتزج التكنولوجيا بالقوة العسكرية لتنتج نمطاً جديداً من المواجهات، فقد شهد العالم في الفترة الأخيرة تصاعداً في التوترات والنزاعات العسكرية بين عدد من القوى الإقليمية والدولية، إلا أن ما يميز هذه الحروب أنها لم تعد تشبه الحروب التقليدية التي عرفها العالم في السابق. فالتكنولوجيا وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، بدأت تلعب دوراً محورياً في إدارة العمليات السياسية وتحليل المعلومات واتخاذ القرارات بدقة وسرعة غير مسبوقة.

ويعكس هذا التحول تغيراً واضحاً في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها العامل الحاسم، بل أصبحت القدرة التكنولوجية وتحليل البيانات عنصراً أساسياً في رسم موازين القوة بين الدول.ومن أبرز مظاهر هذا التحول استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في (تحليل كميات كبيرة من المعلومات الاستخباراتية) القادمة من مصادر مختلفة مثل صور الأقمار الصناعية واعتراض الاتصالات وتقارير الاستطلاع. ففي الماضي كان تحليل هذه البيانات يستغرق وقتاً طويلاً ويحتاج إلى جهود بشرية كبيرة أما اليوم فقد أصبحت الخوارزميات قادرة على معالجة هذه المعلومات بسرعة عالية، واكتشاف أنماطها ثم تقديم تحليلات تساعد القيادات العسكرية على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة في ساحة المعركة.

كما ظهرت (الطائرات المسيّرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي) كواحدة من أبرز أدوات الحرب الحديثة، فهذه الطائرات لا تستخدم لأغراض الاستطلاع، فحسب بل أصبحت قادرة على تنفيذ مهام متعددة مثل المراقبة وتحديد الأهداف وحتى تنفيذ الضربات الهجومية، وبعض التقنيات المتقدمة تسمح لهذه الطائرات بالعمل ضمن ما يُعرف بـ(الأسراب الذكية) حيث تتواصل مجموعة من الطائرات مع بعضها البعض وتنسّق أدوارها تلقائياً وفق خوارزميات محددة، وبالتالي تمنح الجيوش القدرة على تنفيذ عمليات معقدة باستخدام أعداد كبيرة من الطائرات منخفضة التكلفة، وهو ما يمثل تحدياً كبيراً لأنظمة الدفاع الجوي التقليدية.

ولم يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على ساحة المعركة فقط، بل امتد أيضاً إلى المجال الإعلامي والمعلوماتي. فقد شهدت منصات التواصل الاجتماعي انتشار محتوى تم إنشاؤه باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، مثل الصور والفيديوهات المزيفة المعروفة بتقنية التزييف العميق (Deepfake) ويمكن لمثل هذا المحتوى أن يؤثر في الرأي العام ويخلق حالة من الارتباك حول حقيقة ما يحدث. كما استخدمت بعض الجهات (حسابات آلية) لنشر رسائل سياسية أو دعائية بهدف التأثير في النقاشات الإعلامية المرتبطة بالحرب، وهو ما يدل على أن الصراع لم يعد يقتصر على الميدان العسكري بل أصبح يمتد إلى الفضاء الرقمي أيضًا.

ورغم ما يقدمه الذكاء الاصطناعي من قدرات عسكرية متقدمة، فإن استخدامه في الحروب يطرح تحديات أخلاقية وقانونية مهمة. فمع تزايد اعتماد القوات العسكرية على الأنظمة الذكية قد يتراجع دور الإنسان في اتخاذ القرار، خصوصاً عندما تعتمد هذه الأنظمة على تحليل سريع لكميات ضخمة من البيانات. كما أن أي خلل في البيانات أو في تصميم الخوارزميات قد يقود إلى قرارات غير دقيقة أو استهداف غير صحيح. ويبرز هنا سؤال معقد حول المسؤولية عند وقوع الخطأ: من يتحملها؟ هل هي القيادة العسكرية التي استخدمت الأنظمة الذكية؟ أم المبرمجون الذين صمموا هذه التقنيات؟ أم الجهات التي قامت بتشغيلها ميدانياً.

ويتضح أن الذكاء الاصطناعي سيصبح عنصراً مؤثراً في نتائج الحروب القادمة، فالدول التي تستثمر في تطوير هذه التقنيات وتدمجها في قدراتها العسكرية قد تمتلك ميزة استراتيجية واضحة. لكن في المقابل، يبقى التحدي الحقيقي في وضع أطر أخلاقية وقانونية تنظم استخدام هذه التكنولوجيا، لضمان بقاء القرار العسكري تحت رقابة الإنسان وعدم تحول الحروب مستقبلاً إلى صراعات تُدار بالكامل بواسطة الأنظمة الرقمية والخوارزميات الذكية.

وفي النهايةِ، يظلُّ الإنسانُ هو المسؤولَ عن توجيهِ هذه القوةِ الرقمية، فإمّا أن يجعلَها أداةً لحمايةِ الحياة أو سبباً في هلاكها