قال الخبير والاستشاري في التربية الخاصة ومدير مركز «معاً» للتربية الخاصة د. أسامة أحمد مدبولي إن منظومة التعليم عن بُعد للأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة تمثل أحد أهم التحولات الحديثة في فلسفة التعليم والرعاية، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية مثل الأزمات أو صعوبة الوصول إلى الخدمات المتخصصة. وأوضح أن التعليم في هذه الحالة لا يقتصر على نقل المعرفة الأكاديمية فقط، بل يسهم أيضاً في توفير شعور بالأمان والاستقرار النفسي للطفل، ويضمن استمرارية نموه التعليمي والاجتماعي رغم التحديات المحيطة به.
وأضاف د. مدبولي في تصريح لـ"الوطن" أن بعض المجتمعات قد تفتقر أحياناً إلى الخبرات التخصصية الكافية في مجال تعليم وتأهيل الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، وهو ما يدفع بعض الأسر إلى البحث عن مختصين في دول أخرى. وقد ساهم التعليم عن بُعد في كسر هذه الحدود الجغرافية، حيث أصبح بإمكان الأسر الحصول على برامج تعليمية وتأهيلية مبنية على أحدث الأبحاث العلمية، يتم تصميمها خصيصاً بما يتناسب مع احتياجات الطفل وقدراته الفردية.
وأشار مدبولي إلى أن هذه البرامج التعليمية تشمل الأطفال الذين يعانون من اضطراب طيف التوحد أو متلازمة داون أو غيرها من الإعاقات النمائية، مع مراعاة الفروق الفردية في القدرات ومستوى الإعاقة وكذلك المرحلة العمرية، بما يضمن تحقيق أفضل النتائج التعليمية والتأهيلية.
وأكد أن نجاح التعليم عن بُعد لهذه الفئة يتطلب اعتماد استراتيجيات مرنة تراعي الظروف النفسية والبيئية للطفل والأسرة، ومن أبرز هذه الاستراتيجيات توفير التعليم غير المتزامن، بحيث تكون الدروس متاحة في شكل فيديوهات مسجلة أو ملفات تعليمية يمكن تحميلها ومراجعتها في أي وقت، وهو ما يساعد الأسر التي قد تواجه صعوبات تقنية أو ظروفاً طارئة.
وأوضح د. مدبولي أن من الأساليب الفعالة أيضاً تبسيط المهام التعليمية وتقسيم المهارة الواحدة إلى خطوات صغيرة يسهل على الطفل فهمها وتنفيذها، مما يقلل الضغط الذهني ويعزز الشعور بالنجاح التدريجي. كما يمكن إعداد «حقائب تعليمية» منزلية تحتوي على مواد بسيطة مثل القصص المصورة والألعاب الحسية والصلصال وأوراق العمل المطبوعة، لتكون بديلاً عملياً في حال عدم توفر الإنترنت.
وبيّن أن كل اضطراب نمائي يحتاج إلى أساليب تعليمية مختلفة؛ فالأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد يعتمدون غالباً على الروتين والشعور بالاستقرار، لذلك يعد إنشاء روتين يومي بسيط أحد أهم عوامل نجاح التعليم عن بعد، مثل تحديد أوقات ثابتة للأنشطة التعليمية أو القراءة أو التمارين التنفسية. كما تلعب الوسائل البصرية والتكنولوجيا المساندة دوراً مهماً في دعم التعلم، مثل الجداول المصورة أو التطبيقات التي تحول النص إلى كلام.
وأضاف أن «النمذجة الفيديوية» تعد من أكثر الأساليب فاعلية في تعليم هذه الفئة، حيث يتم عرض مهارة معينة عبر مقطع فيديو قصير لا يتجاوز عشر دقائق، مما يتيح للطفل تقليدها وتكرارها بسهولة. كما أن ربط التعلم باهتمامات الطفل الشخصية يعد عاملاً مهماً في تعزيز دافعيته، فعلى سبيل المثال يمكن استخدام صور الحيوانات في تعليم العد أو المفاهيم اللغوية إذا كان الطفل يحب الحيوانات.
وأكد د. مدبولي أهمية مراعاة الجانب النفسي للطفل ضمن برامج التعليم عن بعد، مشيراً إلى أن الأنشطة الفنية مثل الرسم والتلوين أو الألعاب الحركية يمكن أن تتحول إلى أدوات تعليمية وعلاجية في الوقت نفسه، حيث تساعد الطفل على التعبير عن مشاعره وتخفيف التوتر. كما بدأت بعض البرامج التعليمية باستخدام تقنيات الواقع المعزز عبر الهواتف الذكية لعرض نماذج تعليمية ثلاثية الأبعاد داخل غرفة الطفل، مما يزيد من مستوى الانتباه والتركيز ويجعل التعلم أكثر متعة.
وأوضح أن دور المعلم في بيئة التعليم عن بُعد يتحول إلى موجه وداعم للأسرة، بينما يصبح الوالدان الشريك الأساسي في تنفيذ الأنشطة التعليمية مع الطفل، لذلك يعد التواصل المستمر بين المعلم والأسرة عاملاً أساسياً في نجاح العملية التعليمية. وقد أثبتت الرسائل الصوتية أو مقاطع الفيديو القصيرة التي يوجهها المعلم للطفل باسمه دوراً مهماً في تعزيز ثقته بنفسه وتحفيزه على التعلم، كما تساعد مجموعات الدعم الرقمية للأهالي في تبادل الخبرات والحصول على استشارات سريعة من المختصين.
وأضاف د. مدبولي أن من النصائح المهمة أيضاً تخصيص «ركن هادئ» داخل المنزل للتعلم يحتوي على إضاءة مريحة ووسائد أو أدوات حسية، ليصبح مكاناً يشعر فيه الطفل بالأمان والتركيز. كما أن تقييم تقدم الطفل في هذا النوع من التعليم لا يعتمد على الدرجات فقط، بل يركز على التحفيز والتشجيع، حيث تستخدم بعض البرامج نظام الأوسمة الرقمية مثل «بطل الصمود» أو «المبدع الصغير» بعد كل إنجاز بسيط.
وأشار إلى أنه يتم كذلك إنشاء «ملف إنجاز» للطفل يضم صوراً ومقاطع فيديو توثق تطوره في المهارات المختلفة، مما يمنحه شعوراً بالفخر ويعزز ثقته بنفسه.
واختتم د. مدبولي تصريحه بالتأكيد على أن التعليم عن بُعد للأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة لم يعد مجرد حل مؤقت، بل أصبح خياراً تعليمياً مهماً يفتح آفاقاً واسعة للوصول إلى المعرفة والخبرات العالمية، مؤكداً أن التخطيط السليم ومراعاة قدرات الطفل واحتياجاته يمكن أن يحقق تعليماً أكثر مرونة وشمولاً ويمنح الأطفال فرصاً أفضل للنمو والتطور.