بقلم: محمد الشرعبي

منذ إشهار ميثاق مجلس التعاون لدول الخليج العربية في الخامس والعشرين من مايو عام 1981، ظلَّت فكرة «الاتحاد» بمثابة الغاية الكبرى التي تتطلع إليها شعوب المنطقة، فهي ليست مجرد طموح سياسي عابر، بل هي تتويج طبيعي لوحدة المصير والمكان. إن النصوص التأسيسية للمجلس، لاسيما المادة الرابعة من ميثاقه.

ولقد أرست المادة الرابعة من ميثاق المجلس، دعائم التعاون في المجالات الاقتصادية والثقافية والعسكرية، إلا أن روح النص كانت تشير إلى ما هو أعمق من ذلك، ألا وهو الانتقال من مرحلة «التعاون» إلى مرحلة «الاتحاد» الذي يضمن كياناً سياسياً موحداً قادراً على الصمود في عالم تتشكل فيه القوة من خلال الكتل الكبرى.

واليوم بعدما نشهده من واقع لم يكن في الحسبان، وتكاتف الأشقاء مع بعضهم البعض، في هذه المحنة، نعود ونستذكر المادة الرابعة ومرحلة الاتحاد، فلقد ذكرني موقف المملكة العربية السعودية بفتح مطاراتها وموانئها لدول المجلس، بما يطمح إليه كل خليجي.

هذا الموقف جاء بترجمة عملية لهذه الإرادة السياسية العليا، متجاوزاً بذلك الحدود الجغرافية مستنداً إلى مبدأ «المواطنة الخليجية» غير المنصوص عليه صراحة في الميثاق القديم ولكنه مستخلص من مبادئه، يشكّل نقلة نوعية في مسار التكامل.

وفي ظل النظام الأساسي للمجلس، فإن تحقيق الاتحاد يتطلب استكمال المسيرة القانونية عبر استحداث أجهزة اتحادية تتولى صياغة السياسات الموحدة، وتعد المادة (4) من الميثاق بمثابة الأساس القانوني الذي يمكن البناء عليه لتوسيع نطاق التعاون ليشمل التنسيق العسكري الموحد، والسياسة الخارجية الموحدة في المحافل الدولية، وكذلك التكامل القضائي للبت في النزاعات العابرة للحدود.

إن مسيرة التحول من «مجلس التعاون» إلى «الاتحاد الخليجي» واجهت تحديات؛ غير أن المشهد الاستراتيجي الحالي، الذي تتشكّل ملامحه من خلال تصاعد الاعتداءات الإيرانية الهمجية، أعاد فتح ملف الاتحاد بقوة، بل جعله قضية وجودية.

التهديدات الإيرانية لم تستثنِ أي دولة خليجية، واستهدفت البنى التحتية الحيوية ومصادر الطاقة، ولو كان الاتحاد الخليجي موجوداً في هذه المرحلة، لكان سيوفر قاعدة قانونية صلبة لتفعيل مبدأ «الدفاع المشترك» المنصوص عليه ضمن الأهداف العامة للمجلس، حيث يصبح الاعتداء على أي دولة من دول الاتحاد بمثابة اعتداء على الكيان الاتحادي بأكمله، مما يُحدث تحوّلاً في المعادلة الاستراتيجية مع إيران التي تعتمد على سياسة «الاستنزاف التدريجي» للدول المجاورة.

إن مشروع الاتحاد الخليجي لم يعد ترفاً فكرياً أو أملاً بعيد المنال، بل هو استجابة حتمية لمعادلة استراتيجية مفادها؛ إما أن نكون كياناً واحداً قادراً على حماية مقدراتنا وصياغة قرارنا، خاصة وأن حكمة القادة جنّبت الشعوب ويلات الصراعات لعقود، واليوم، فإن تلك المرحلة تتطلب تجاوز مرحلة «التعاون» إلى مرحلة «الاتحاد»، ليس فقط لمواجهة التهديدات، بل لبناء مستقبل مزدهر باعتبار أن تلك الدول تمثل مركز ثقل للحضارة والاقتصاد في العالم.