خالد السعدون

وأمَّا أكْرَمُ شيءٍ في البيعةِ فَهُوَ لُزُومُ الطَّاعة حين الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاء:

نعم واللهِ، فالعملُ بها حينَ المَنْشَطِ والمَكْرَهِ وحينَ اليُسْرِ والعُسْر هو خيرُ شيءٍ في البيعةِ، وأكبرُها فَخْراً وعِزَّاً، وتلك هي بيعةُ الصَّحابة رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمِ:

روى البُخاريُّ (7055) ومُسْلِمٌ (1709) عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ: «دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَهُوَ مَرِيضٌ، قُلْنَا: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ، سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: دَعَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، [قَالَ] إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ».

زاد البُخاريُّ في روايةٍ (7199) ومُسْلِمٌ: «وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لاَ نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ».

فهنا نحنُ اليومَ في هذا الحربِ جُنودٌ وإنْ لم نلبسْ لِباسَ العساكِرِ، ورجالُ أمْنٍ وإنْ لم يَكُنِ الأمْنُ وظيفةً لنا، فهذا هو العملُ مِنَّا وهُوَ المِنهاجُ والمَقال، ولا خيرَ فيمن لا يكون كذا في هذا الحِيْنِ والحال، فالحربُ بسببها ومع وليِّ أمْرِنا -كالَّتي نحن اليومَ نخوضُها- دينٌ، وليس لك أيُّها المُسْلِمُ إلَّا أنْ تثبُتَ وتُثَبِّتَ إخوانك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، [الأنفال: (45)].

فالنَّصْرُ يأتي بالصَّبْر والأخْذِ بأسبابه، لِذا فقد أتْبَعُ اللهُ الآيَةَ السَّابقة بقوله سُبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، فالصَّبْرَ الصَّبْرَ أهْلَ البحرينِ، فإنَّما النَّصْرُ صَبْرُ ساعةٍ!

وكذا ففي هذه الآيَةِ ردٌّ على مَنْ يتفلَّتْ من دينِهِ حين البأس والشِّدَّة! والصَّحيحُ طاعةٌ لله وطاعةٌ لرسولِهِ ثُمَّ طاعةٌ لوليِّ أمِرهِ، ولا تكون الطَّاعةُ إلَّا باجتماعٍ عليه نُصحاً ودِيانَةً، وحينئذٍ فالنَّصْرُ نازلٌ إنْ شاء الله.

وهذا مَقَامٌ عَجَبٌ في النُّصرة والتأييد: تصديقُ خديجةَ وابنِ عمِّها لِنُزُولِ جِبْرِيْلَ ؟!

فلا كبيرَ عَجَبٍ مِنْكَ إنْ كُنتَ صالِحاً موفَّقاً أنْ تنصُرَ رسولَ ربِّ العالمين، ولكنَّ العَجَبَ والفَخْرَ لك فيما لو نصَرتَ صادِقاً أميناً مُرسَلاً من ربِّهِ، ولا ناصِرَ له إلَّا أنتَ! فحينئذٍ سبقُكَ لا يُنسى عند ربِّ السَّماء، وهذه النُّصرةُ قدِ انقضتْ ومَضَتْ بأهلِها، وباء بِسبْقِها الجِبالُ الرَّاسخونَ إيماناً وعِرفاناً، فلقد تَصَدَّرتْها خديجةُ أُمُّنا أُمُّ المؤمنين، ولعلَّ اللهَ جازاها بإحسانِها إحساناً في الدُّنيا قبل الآخِرَةِ؟!

روى البُخاريُّ (3820) ومُسْلِمٌ (2432) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ، أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلاَمَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لاَ صَخَبَ فِيهِ، وَلاَ نَصَبَ»!

ولمَّا علِمَتْ خديجةُ بأنَّ ما تنزَّل على زوجِها هو وَحْيُ السَّماء، أخَذَتْهُ لابنِ عمِّها وَرَقَةَ النَّاصِرِ المؤازِرِ، وكما سيأتي البيانُ، وهذا أبو بكرٍ صِدِّيقُ هذه الأُمَّةِ ثانٍ لاثنينِ! ونِعْمَ الصَّاحِبُ لنبيِّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والصَّدِيق، وهذا عليٌّ ابنُ عمِّهِ نصيرُهُ وظهيرُهُ، ووالِدُ سيِّدَي شبابِ الجنَةِ، وهو خيرٌ منهُما! ثُمَّ أنْعِمْ وأكْرِمَ بفاطِمَةَ ذِكْراً سَيِّدَةِ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ، بل وسيِّدَةُ نِساءِ هذه الأُمَّةِ والمؤمنين، فأولئكَ هُمُ السَّابِقون السَّابِقونَ رِضْوانُ اللهِ عليهم أجْمَعيْنَ.

ثُمَّ لْيُعْلَمْ بأنَّ ما تأخَّرَ مِنَ الزَّمانَ بعد زمانِ الصَّحابة ليس لأحدٍ بعدَهُم أنْ يُسابِقَهُم في سَبْقهِم! فلقد مضى بذلك السَّبقِ البَعيدِ الأوَّلون أبو بكر وعُمَرُ وعُثمانُ وعليٌّ وفاطِمَةُ وأُمَّاها أُمَّا المؤمنين خديجةُ وعائِشَةُ وحسَنٌ وحُسينٌ وسائِرُ الصَّحابة رِضوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِيْنَ.

وأقولُ: فالعَجَبُ أن تَنْصُرَ رسولاً ولمَّا يُبعَثْ بعدُ! وأعجَبُ منه أنْ تنصُرَهُ ولمَّا يُصدِّقْهُ أحَدٌ! وهذا ما كان إلَّا لأُمِّنا أُمِّ المؤمنينَ خديجةَ بِنتِ خُوَيْلِدٍ رضي الله عَنِ الصَّحابة أجمعين:

فلقد روى البُخاريُّ (3) ومسلمٌ (160) حديثاً طويلاً، هُوَ حديثُ الوحي والإيمان، حديثُ الرَّحمة والإحسانِ، فعندَ الشَّيخيْنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ [وللبخاري (4953) ومسلمٍ: «الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ»] فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلاَءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ... ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا»:

فما أعظمَكِ يا خديجةُ وما أكرمَكِ مِنِ امرأةٍ! وما أعظمَ نصرَكِ للإسلامِ! فلكأنَّها نَصَرتِ الإسلامَ كُلَّهُ بتصديقِها لزوجِها وتمكينِهِ من أمره ودينِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ!

ثُمَّ تُكمِلُ عائِشَةُ حديثَ أُختِها خديجةَ، فتقول: «فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ... فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾، فَرَجَعَ.. يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، [وللبخاري (4953) ومسلمٍ: «تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ»] فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ... [«أَيْ خَدِيجَةُ، مَا لِي لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي»: البخاري (4953)] فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا [ولمسلمٍ: «فَوَاللهِ، لَا يُحْزِنُكَ اللهُ أَبَداً»] إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ [«وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ»: البخاري (4953) ومسلمٌ] وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ.. ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعِبْرَانِيَّةِ.. [«وَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ»: البخاري (4953) ومسلم] وَكَانَ شَيْخاً كَبِيراً قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ.. يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، [«إِلَّا أُوذِيَ»: البخاري (4953)] وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْراً مُؤَزَّراً. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ».

فهذه بِتِلْكَ؟ فكأنَّ ما بُشِّرتْ به خديجةُ من سلامِ اللهِ عليها وجبريلَ، فَضلاً عن تبشيرِها ببيتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لاَ صَخَبَ فِيهِ، وَلاَ نَصَبَ، هو بتلك النُصرة والتأييدِ لزوجِها يومَ نُزُول الوحي والبِشارة بالنُّبوَّة، فهذه البِشارَةُ بتلك النُّصرةِ، والله أعلم.

وأمَّا اليومَ وفي حربِنا هذه الَّتي أُعلِنَتْ على مملكة البحرين ظُلماً وعُدواناً فها نحن نَتَلمَّسُ ونتحسَّسُ ثمراتِ النَّصْرِ؟! فالأمنُ والأمانُ في مملكة البحرين وأشقَّائها من دُول الخليج قائمٌ تامٌّ حمداً لله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، [آل عمران: (126)].

فللهِ دَرُّ قيادتِنا، وشُكرٌ مِنَّا بعد شُكرٍ لملِكنا ووليِّ عهدِهِ، ومِثلُ ذلك لوزرائهم وأنصارِهم، وشُكرٌ مِنَّا عريضٌ لجُندِنا ورجالِ أمنِنا، فحينَ الفتنةِ يَبينُ الرِّجالُ، وتُصدِّقُ الأفعالُ مِنْهُمُ الأقوالَ، فثبَّتَهُمُ اللهُ جميعاً على الحقَّ وأيَّدَهُم بنصرِهِ، والحمدُ لله ربِّ العالمين.