بقلم عيسى الحمادي

إنّ للكلام منازلَ ومقامات، لا يبلغ ذُراها إلا من أُوتي بيانًا تُطرب له الأسماع، وحكمةً تنقاد لها العقول، ونفاذًا يبلغ من المعنى مقتلَه، فيُصيب ولا يُخطئ. وقد جرى على لسان سموّ الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة حفظه الله من جزالة اللفظ، وإحكام السبك، وصدق المقصد، ما يرتفع بالكلمة من مقام القول إلى مرتبة الأثر؛ فهو بيانٌ إذا صدر أغنى عن الشواهد، ورأيٌ إذا استبان لم تُزِغْه الشبهات، وعزمٌ إذا عُقِد لم تَحُلْ دونه العوائق. جمع حفظه الله بين حرارة الوجدان وصِرامة الموقف، فجاء كلامه كالسيف المُجْلَى: يبرق صفاؤه، ويصدق مضاؤه، ويقع موقع الفصل حيث يلتبس القول ويضطرب الميزان.

ولقد علم ذوو الألباب أنّ قولَه «قلبك على بلادك» ليس من قبيل الإخبار، بل من باب الإلزام، ولا من جنس الترغيب، بل من صميم التقويم؛ إذ نقل المعنى من حيّز الدعوى إلى مقام الحُجّة، وجعل القلب وهو موضع الخفاء شاهدًا على صاحبه، لا يُدفع، ولا يُوارى، ولا يُداهَن. فكم من لسانٍ قد أطال في الولاء، وهو عند الشدّة أقصر من ظلٍ زائل، وكم من صامتٍ لم يُسمع له قول، فإذا نزل البلاء كان أثبت من جبلٍ لا يُزحزَح.

فإن قلت لِمَ استقرّت هذه الكلمة في النفوس استقرار الحكم النافذ، قيل لأنها وافقت زمانًا انكشفت فيه الوجوه، وافتُضحت فيه الأقنعة، وضاق فيه الوطن عن المتردّدين، واتّسع صدرُه للثابتين.

وأما في مشهدٍ آخر تُزيّنه شاشاتٌ عائمة كجزيرةٍ في بحرٍ مضطرب، تُلوِّح بالبريق وتُخفي الغريق، فتجد من رُفع قدرُه بالعرض لا بالجوهر، وأُعطي من زخرف القول ما يُغري، حتى خُيِّل للغافل أنه صاحب بيان يُحتج به، وهو عند التحقيق صنيع صناعة لا ثمرة معرفة. ذاك منظّر فرط صوتي، لا لأن قوله يسبق الحق، بل لأنه يسبق الفهم؛ يُثقل العبارة حتى تُظن عمقًا، ويُكثر التراكيب حتى تُحسب حجة. فإذا فُرك قوله فركًا، وكُشف عن طبقاته كشفًا، بان لك أنه زخرف مرصوص على فراغ.

ومن عجيب أمره أن اسمه يجمع بين معنى الحسن ومثنّى يُردِّد البيان ترديدًا، ثم لا ترى من ذلك إلا صدىً يتكرّر ولا معنىً يتقرّر؛ فليس في كلامه حسنٌ يُعتدّ به، ولا في خطابه ما يثبت عند الاختبار؛ كأن الاسم شيء وصاحبه شيء آخر، أو كأن الحروف قد اجتمعت على معنى ثم افترقت عنه عند الاستعمال. يُجلّي اللفظ ليعمي بريقه، ويُعتم المعنى ليخفى عواره، فيخرج كلامه كالسحاب المجلجل، كثير الرعد قليل المطر.

وعند هذا يظهر الفرق بين بيان يقيم الحجة وبيان يقيم الشبهة، بين قول يجلي الحق فيستغني عن زخرفه، وقول لا يعيش إلا بزخرفته لأنه خالٍ من جوهره. فالأول يغنيك عن إعادة النظر، والثاني يدعوك إليها كلما أمعنت، لأنك لا تجد فيه قرارًا ولا تستبين له وجهًا.

وقد جرت عادة أكثر الناس إلا من عصم الله أن يجعلوا الولاء لفظًا يُستعار لا عهدًا يُصان، وأن يُظهروا من المحبة ما لا يصدقه عند المحنة شاهد. فإذا دعاه الوطن إلى موقف لا يُجامل ولا يُوارب، رأيته بين متثاقل أو معتذر أو مؤول يُلبس الحق ثوب الباطل. وهنا كانت الكلمة فاصلة، لا تقبل اشتباهًا، بين فريق جعل الوطن قبلة لا تُحوّل، وفريق جعل هواه إمامًا فهلك في ضلاله.

ولعمري إن القلوب إذا صدقت استغنت عن الشواهد، وإذا كذبت لم تُقم لها الشواهد وزنًا. فمن كان قلبه على بلاده سبق فعله قوله، وصدق عمله دعواه، واستقام على نهج لا تعتريه ريب. ومن خلا قلبه منها تكلف من الألفاظ ما لا يُغني، وتزين بما لا يُغطي، فكان كمن يستر العورة بالسراب.

وهذا باب إن فُتح علمت أن الأوطان لا تقوم بألسنة فصيحة بل بقلوب صحيحة، ولا تُصان بحسن المقال بل بحسن الفعال. فإذا اجتمع صدق النية مع ثبات العزيمة قام للوطن درع لا يُخترق وسور لا يُنال.

وآخر القول أن الحق لا يعلو بزخرفه بل بصفائه، ولا يثبت بكثرة قائليه بل بصدق أهله، ومن لم يكن له من الحقيقة نصيب لم تغنه فصاحته ولم تستره بلاغته وكان قوله مهما حسن أقرب إلى الصنعة منه إلى الصدق.

إذا كان قلبُك على بلادك استقام أمرُك، وإن لم يكن، فكلُّ ما سواه زخرفٌ يلمع فيكشفُك ويُسقِطُك.