أكد الخبير في القانون الدولي والقاضي السابق بمحكمة التمييز، د. يوسف الإكيابي عدم جواز فرض رسوم عبور من قِبل الدول المشاطئة لمضيق هرمز أو تعليق أو منع المرور العابر حتى في أوقات النزاع، بل يجب عليها ضمان تيسير وسلامة الملاحة، كذلك لا يشترط في المرور العابر أن تحصل السفن على إذن مسبق من الدولة المشاطئة للمضيق قبل المرور.
ولفت في حوار مع «الوطن» إلى موقف سلطنة عُمان بإعلان رفضها القاطع لفكرة فرض رسوم على عبور السفن، يعزّز شرعية المرور العابر ويُضعف أي محاولة لإيران لشرعنة فرض رسوم أو قيود أحادية الجانب على المضيق، مشيراً إلى أن إيران ليست طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي عرفت بأنها «دستور المحيطات».
وأوضح أن القانون الدولي يعتبر هذه الممرّات أصولاً عالمية، مما يجعل فرض الرسوم عليها «ردة قانونية» إلى العصور الوسطى، وحالة مضيق هرمز تكرّس سابقة لرفض المجتمع الدولي مرة أخرى فرض رسوم على المرور في المضائق الدولية، كما شدّد على عدم أحقية دولة المطالبة بتكاليف إعادة الإعمار إلا بقرار دولي، وليس بفرض رسوم أحادية الجانب، وأن أي رسوم إضافية في ممرّات دولية «مثل مضيق هرمز» هي إعاقة غير قانونية للتجارة العالمية.
وقال إن الردّ الدولي على مثل هذا القرار لا يعتمد عادة على خيار واحد، بل على «استراتيجية متكاملة»، قد تجمع بين الضغط القانوني لإثبات عدم شرعية الرسوم، والضغط الاقتصادي والميداني لرفع كلفة هذا القرار على طهران، وإجبارها على الامتثال لأحكام القانون الدولي.
- ما هي الأُسس القانونية والاتفاقيات الدولية الخاصة بمرور السفن في مضيق هرمز؟تنظّم اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 UNCLOS الأحكام المتعلقة بمرور السفن والطائرات في المضايق الدولية، ومن بينها «مضيق هرمز»، وقد ميّزت الاتفاقية بين ثلاثة أنواع من المضايق:
النوع الأول: المضايق المنظمة باتفاقيات خاصة: لا تسري عليها الاتفاقيات العامة UNCLOS وتخضع للاتفاقية الخاصة التي تنظمها، مثل: المضايق الدانمركية التي تنظمها اتفاقية كوبنهاغن لعام 1857، كمضيق أوريسند Øresund، ومضيق الحزام الكبير Great Belt، ومضيق الحزام الصغير Little Belt والمضايق التركية «البوسفور والدردنيل» التي تنظمها اتفاقية مونترو لعام 1936 ومضيق ماجلان الذي تنظمه معاهدة الحدود بين تشيلي والأرجنتين لعام 1881.
النوع الثاني: المضايق التي يمر بها طريق من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة: يسري عليها مبدأ حرية الملاحة وفقاً لنظام المرور العابر، ومن أمثلتها: مضيق جبل طارق ومضيق باب المندب ومضيق هرمز.
النوع الثالث: المضايق التي لا تدخل في الحالتين السابقتين: تخضع للأحكام العامة «اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار» فيسري عليها نظامان بضوابط معينة «نظام المرور العابر ونظام المرور البريء».
بالنسبة لمضيق هرمز، فلا توجد اتفاقية خاصة تنظمه، وبالتالي يسري عليه نظام المرور العابر transit passage وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، ويعني أن كافة السفن والطائرات أياً كان نوعها -سواء حربية أو غير حربية- تتمتع بالحق في الملاحة والتحليق بغرض العبور المتواصل والسريع، وبالتالي، لا يتضمّن المرور العابر التوقف أو الرسو في مياه المضيق إلا في حالة القوة القاهرة مثل نفاد الوقود أو سوء الأحوال الجوية. كذلك يسمح نظام المرور العابر للغواصات أن تسير غاطسة في مياه المضيق، على عكس المرور البريء مثلاً الذي يوجب على الغواصات أن تسير فيه طافية ورافعة علمها.
- هل يحق قانوناً لدولة على المضيق تتشارك مع دول أخرى ضفتيه فرض رسوم أو منع سفن من العبور، وكيف يؤثر رفض عُمان القاطع لفرض الرسوم «خاصة وأن الممر الملاحي الإلزامي يقع ضمن مياهها الإقليمية» على الموقف القانوني لإجراءات إيران الأحادية؟
وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، فإنَّ نظام المرور العابر يفرض على كل من الدول المشاطئة للمضيق والسفن والطائرات التي تعبر المضيق التزامات معينة تجاه بعضها البعض.
فبالنسبة للدول المشاطئة للمضيق، فينبغي عليها أن تعين ممرات بحرية ونظماً لتقسيم حركة المرور واستبدالها، كذلك يجوز لها إصدار القوانين واللوائح اللازمة لتنظيم المرور العابر لأغراض معينة، مثل: التأكد من سلامة الملاحة، منع التلوث، منع الصيد، منع تحميل وإنزال سلع أو أشخاص أو بضائع خلافاً لما تقضي به قوانينها.
ولا يجوز للدول المشاطئة للمضيق فرض رسوم على مجرد العبور، وإنما يقتصر الأمر على رسوم مقابل خدمات اختيارية مثل الإرشاد البحري أو استخدام الموانئ، كذلك لا يجوز للدولة المشاطئة تعليق أو منع المرور العابر حتى في أوقات النزاع، إذ يُعتبر هذا الحق جزءاً من القانون الدولي العرفي، وملزماً حتى للدول غير المنضمة لاتفاقية UNCLOS. بل على العكس، ينبغي على الدول المشاطئة للمضيق ألا تعيق المرور العابر، وأن تضمن تيسير وسلامة الملاحة في المضيق. كذلك لا يشترط في المرور العابر أن تحصل السفن على إذن مسبق من الدولة المشاطئة للمضيق قبل المرور.
وفي المقابل على السفن والطائرات المارة في المضيق واجبات تجاه الدول المشاطئة للمضيق، ومن بينها: أن تمضي دون إبطاء خلال المضيق أو فوقه، وأن تمتنع عن أي تهديد أو استعمال للقوة ضد سيادة الدولة المشاطئة للمضيق، وأن تمتثل للقوانين التي تضعها الدول المشاطئة، وأن تمتنع عن أي أنشطة بحث أو مسح دون إذن سابق من الدولة المشاطئة للمضيق، وأن تحترم طرق المرور التي تحددها الدولة المطلة على المضيق. فإذا لم تلتزم بذلك عُدت منتهكة لنظام العبور العابر وفقاً لاتفاقية UNCLOS.
بالنسبة لموقف سلطنة عُمان بإعلان رفضها القاطع لفكرة فرض رسوم على عبور السفن، وتأكيدها على أن ذلك يتعارض مع قواعد القانون الدولي للبحار؛ فإنَّ هذا الموقف يعزّز شرعية المرور العابر، ويُضعف أي محاولة لإيران لشرعنة فرض رسوم أو قيود أحادية الجانب على المضيق. كذلك بالرغم من أن إيران ليست طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، أي أنها لم تصدّق على الاتفاقية، إلا أن هذه الاتفاقية بما تتضمّنه من أحكام تُعد جزءاً من العرف الدولي، بمعنى أن أحكامها تسري حتى على الدول التي لم تصدق عليها. لأن الاتفاقية ببساطة لم تبتكر أحكاماً جديدة لقانون البحار، بل دونت العرف المعمول به والمستقر على مدار قرون، ولذلك عُرفت وبحق بأنها «دستور المحيطات». كما أشارت محكمة العدل الدولية إلى اتفاقية UNCLOS باعتبارها عرفاً دولي ملزم لكافة الدول. وبالتالي، فإن محاولات إيران لفرض رسوم وإعاقة المرور بالمضيق هي محاولات لفرض إرادة سياسية لا تجد لها أساساً مشروع في القانون الدولي.
- هل هناك أي سند قانوني في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار أو أي اتفاقية أخرى يسمح للدولة المشاطئة بفرض مثل هذه الرسوم؟وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLOS، لا يجوز للدول المشاطئة للمضايق التي تخضع لنظام المرور العابر فرض رسوم على مجرد العبور، وإنما يقتصر الأمر على رسوم مقابل خدمات اختيارية مثل الإرشاد البحري أو استخدام الموانئ.
السوابق التاريخية تُظهر أن الرسوم التي كانت تُفرض في بعض المضايق، مثل المضايق الدانمركية منذ القرن الخامس عشر، ولكنها أُلغيت بموجب اتفاقية كوبنهاغن 1857، مما يُظهر رفض المجتمع الدولي لمسألة فرض رسوم على المضائق الدولية. كذلك تُظهر السوابق التاريخية أن المضائق التي تخضع لنظام خاص لتنظيمها، ولا تخضع لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار مثل مضيق ماجلان ومضيق البسفور والدردنيل، نصت الاتفاقيات المنظمة لهذه المضائق على حرية الملاحة، بمعنى عدم تحصيل رسوم على مجرد العبور من المضيق، مع الحق في فرض بعض القيود في أوقات الحرب أو تحصيل رسوم على خدمات إضافية للسفن.
وتأتي حالة مضيق هرمز الحالية لتكرس سابقة أخرى لرفض المجتمع الدولي مرة أخرى فرض رسوم على المرور في المضائق الدولية.
- برّرت إيران الرسوم بأنها «تعويض عن الخدمات الأمنية وتكاليف إعادة الإعمار». في رأيك، هل توجد أي ثغرة قانونية يمكن لإيران استغلالها لتبرير هذه المطالب، لاسيما في ظل حالة النزاع المسلح؟
تُعد المطالبة برسوم مقابل «خدمات أمنية» أو «إعادة إعمار» في مناطق النزاع المسلح قضية شائكة في القانون الدولي، حيث تتداخل فيها مفاهيم السيادة مع الالتزامات الدولية. ويكون القانون الدولي عرضة لـ«التفسير السياسي»، حيث تحاول الدول إلباس مصالحها الجيوسياسية ثوباً قانونياً.
وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، إذا كانت الرسوم تتعلق بممرات مائية، فإن المادة 26 تنص صراحة على أنه لا يجوز فرض رسوم على السفن الأجنبية لمجرد «المرور»، ولكن يمكن فرض رسوم مقابل «خدمات محددة قُدمت للسفينة». وبالتالي، قد تدّعي إيران أن توفير الأمن «مثل الحماية من الألغام أو المرافقة العسكرية في منطقة نزاع» هو «خدمة إضافية» تتجاوز مفهوم
المرور العابر، وبالتالي يحق لها المطالبة بمقابل مادي عنها.
من ناحية أخرى، فوفقاً للقانون الدولي، يمكن للدولة التحلّل من بعض التزاماتها إذا كان ذلك هو «الوسيلة الوحيدة» لحماية مصلحة أساسية ضد خطر جسيم وداهم. وبالتالي، قد تبرّر إيران هذه الرسوم بأن ميزانيتها استُنزفت في تأمين ممرات التجارة الدولية أو إصلاح البنية التحتية المتضررة من نزاع لم تكن هي البادئة فيه «حسب وجهة نظرها». وعليه، يتم تصوير الرسوم كـ«إجراء وقائي» لضمان استمرارية الخدمات الأمنية التي يستفيد منها الجميع.
ولكن، برغم هذه الثغرات، يصطدم المنطق الإيراني بمبادئ قانونية صلبة:
• التعويض مقابل الضرر: في القانون الدولي، لا يحق للدولة المطالبة بتكاليف إعادة الإعمار إلا إذا ثبت أن الطرف الآخر هو «المعتدي» بقرار دولي، وليس بفرض رسوم أحادية الجانب.• حرية الملاحة: وفقاً للعرف الدولي والمعاهدات أي رسوم إضافية في ممرات دولية (مثل مضيق هرمز) هي إعاقة غير قانونية للتجارة العالمية.- قد يستشهد خبراء القانون بفرض الدنمارك لرسوم على مضيق أوريسند Øresund لأربعة قرون كسابقة تاريخية، والتي أُلغيت في النهاية بفعل الضغط الدولي. كيف يمكن مقارنة الوضع الحالي بهذه السوابق؟الوضع مختلف تماماً، أولاً: أن الحالة الدنماركية، كانت قبل إبرام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ووضع مضيق أوريسند ذاته مختلف، إذ إن الدنمارك تسيطر فيه على الجهتين من المضيق على عكس مضيق هرمز. ثانياً: سقطت مطالب الدنمارك عندما بدأ مفهوم «أعالي البحار» يطغى على «البحار المغلقة». اليوم، القانون الدولي يعتبر هذه الممرات أصولاً عالمية، مما يجعل فرض الرسوم عليها «ردة قانونية» إلى العصور الوسطى. كما أن اتفاقية كوبنهاغن 1857، ألغت هذه الرسوم في مقابل تعويض مالي للدنمارك؛ مما يدلل على رفض المجتمع الدولي لهذه الممارسة -أي فرض رسوم على المضائق الدولية-.إنَّ العالم المعاصر يعتمد على سلاسل التوريد «في الوقت المحدد»، وأي رسوم إضافية تعني اضطراباً اقتصادياً عالمياً. السابقة الدنماركية انتهت بـ«تدويل» المضيق عملياً، وهو السيناريو الذي تحاول إيران تجنّبه عبر التمسّك بسيادتها على المضيق.- ما هي الخيارات المتاحة للمجتمع الدولي «مثل اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، أو اتخاذ إجراءات عبر مجلس الأمن، أو ما يُعرف بـ«حق المرور البريء للسفن الحربية» للرد على ما يعتبره البعض «انتهاكاً صارخاً» للقانون الدولي؟توجد العديد من الأدوات القانونية والخيارات المتاحة للردّ على هذه المسألة.أولاً: المسار القانوني «المحاكم الدولية»: يُعتبر هذا المسار من الطرق السلمية لفض المنازعات الدولية، لكنه الأبطأ والأكثر تعقيداً من الناحية الإجرائية. ومن الناحية النظرية، يمكن انعقاد الاختصاص لنوعين من المحاكم الدولية. الأول: محكمة العدل الدولية ICJ: حيث يمكن للدول المتضررة رفع دعوى ضد إيران. لكن العائق هنا هو «الاختصاص»؛ إذ يجب أن تكون الدولة قد قبلت بالولاية الإجبارية للمحكمة، أو وجود نص في معاهدة يمنح المحكمة سلطة الفصل. وفي الغالب فإن إيران لن تقبل باختصاص المحكمة. الخيار الثاني: اللجوء للمحكمة الدولية لقانون البحار ITLOS باعتبارها الجهة المختصة بتفسير اتفاقية UNCLOS. يمكن للدول اللجوء إليها لطلب «تدابير مؤقتة» لوقف فرض الرسوم فوراً، حتى يتم الفصل في جوهر القضية.ثانياً: المسار السياسي من خلال الأمم المتحدة: هذا المسار يهدف إلى عزل الموقف الإيراني دولياً وإعلان الرفض الدولي للسابقة التي تحاول إيران إرساءها. ويمكن للدول المتضررة استصدار قرار من مجلس الأمن يدين هذه الرسوم باعتبارها «تهديداً للسلم والأمن الدوليين» وخرقاً لحرية الملاحة. ولكن هذا المسار قد يعيقه استخدام «حق الفيتو» «خاصة من جانب روسيا أو الصين» مما يحبط محاولة استصدار أي قرار ملزم، ويجعل مخرجات هذا المسار غالباً «بيانات تنديد» غير ملزمة.ثالثاً: التدابير المضادة Countermeasures، حيث يسمح القانون الدولي للدول المتضررة باتخاذ إجراءات «رد فعل» لإجبار الدولة المخالفة على العودة للالتزام بالقانون. وتشمل هذه الإجراءات «المعاملة بالمثل» من خلال فرض رسوم مماثلة على السفن الإيرانية في مضائق أو موانئ دولية أخرى، أو «العقوبات الاقتصادية» من خلال تجميد أصول أو فرض قيود تجارية إضافية مرتبطة تحديداً بملف «أمن الملاحة».رابعًا: المسار العسكري، وذلك من خلال عمليات حرية الملاحة FONOPs- على سبيل المثال- والتي قد تقوم بها الدول الكبرى «مثل الولايات المتحدة أو بريطانيا» من خلال إرسال سفن حربية للمرور في المناطق التي تفرض فيها إيران رسوماً، وذلك لرفض الإذعان قانونياً لهذا الإجراء. المرور هنا يهدف إلى «كسر السابقة القانونية» التي تحاول إيران خلقها. كذلك يمكن اللجوء لخيار المرافقة العسكرية، أي تشكيل تحالفات دولية لمرافقة السفن التجارية، مما يجعل فرض الرسوم مستحيلاً من الناحية العملية دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة.في جميع الأحوال، فإنَّ الرد الدولي لا يعتمد عادة على خيار واحد، بل على «استراتيجية متكاملة»، قد تجمع بين الضغط القانوني لإثبات عدم شرعية الرسوم، والضغط الاقتصادي والميداني لرفع كلفة هذا القرار على طهران، وإجبارها على الامتثال لأحكام القانون الدولي