بقلم : عيسى الحمادي
إنّ للأوطانِ ميزانًا لا يختلّ، وإن اختلطت الأصوات، ولا يضلّ وإن كثرت الدعوات؛ ميزانُهُ القلوبُ قبل الألسن، والولاءُ قبل الادّعاء، والصدقُ قبل الشعار. فإذا استقام القلبُ على وطنه، استقام أمرُ صاحبه، وإذا اضطرب، لم تُغنِ عنه كثرةُ القول ولا زخرفُ البيان.
ولقد جاءت أوامرُ وتوجيهاتُ حضرةِ صاحبِ الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، فاصلةً لا التباس فيها، حاسمةً لا مواربة معها، وتضعُ الأمورَ في نصابها؛ إذ بيّنت أن الوطن ليس مساحةً تُسكن، بل أمانةٌ تُصان، وأن المواطنة عهدٌ يُوفى، وأنّ من أخلّ بالعهد سقط عنه ما تعلّق به من دعوى.
وما أكثرَ من لبسوا لبوسَ الانتماء، وقلوبُهم موزّعةٌ بين راياتٍ شتّى، فإذا نادى الوطنُ خفَتَ صوتهم، وإذا تحدّث الغريبُ ارتفع شأنُهم! أولئك الذين جعلوا ولاءهم خارج حدود الدار، يقدّمونه في السمع والطاعة، ثم إذا سُئلوا قالوا: نحن من أهلها! فأيُّ أهلٍ هؤلاء، وقد باعوا المعنى وأبقوا الاسم؟
وهنا وجب البيانُ الصريحُ الذي لا يترك موضعًا للالتباس؛ فإنّ خيانةَ الوطن هي أفعالٌ يختارها أفراد، قدّموا الولاءَ لجهاتٍ خارجية على حقّ الوطن عليهم، وخانوا الوطن وغدروا به. ولذلك يجب أن يُؤخذ المرءُ بفعله؛ فمن صان الوطن فهو منه، ومن اعتدى عليه فقد حدّد موقعه بيده.
وإنّ من أعجبِ العجب، أن ترى من يُقيم بيننا جسدًا، ويُقيم قلبه عند غيرنا منزلًا، ينهل من خطابٍ لا ينتمي إلى هذه الأرض، ويستمدّ وجهته من خارجها، ثم يطلب أن يُحسب من أهلها! لا هو استقرّ على صدقٍ يُعلن، ولا هو انصرف إلى حيث يميل قلبه فيُعرف؛ بل أقام في منزلةٍ بين منزلتين، لا تُبنى بها أوطان، ولا تُصان بها حدود.
فإن كان الهوى قد استقرّ هناك، والولاء قد انعقد لغير هذا الوطن، فليس من الإنصاف أن يُحمَّل الوطنُ تبعاتَ قلبٍ لم يختره، ولا أن تُفرض عليه تبعاتُ ولاءٍ لم يُعقد له. فالأوطان لا تُبنى على القلوب المعلّقة، ولا تُحمى بالانتماءات المؤقتة، بل تُصان بمن جعلها أولى من كل اعتبار، وأعلى من كل ولاء، وأصدق من كل شعار.
ومن العدل، أن يُميَّز بين من صدق في انتمائه، ومن اتخذ الوطن ستارًا لغيره؛ فلا يُساوى بين من يحرس الباب، ومن يفتحُه لغير أهله، ولا بين من يصون العهد، ومن ينقضه في أول امتحان. فإذا تقرّر هذا، كان الحزم عدلًا، وكان الفصل ضرورة، وكان إعمال القانون حفظًا للدار لا تعدّيًا عليها.
ولا يقفُ الأمر عند حدّ من أضمر ولاءً لغير وطنه فحسب، بل يتعدّاه إلى من سوّلت له نفسه أن يترجم ذلك خيانةً قولًا أو فعلًا، ومسًّا بأمن الوطن أو انتقاصًا من استقراره؛ فهؤلاء قد خرجوا من باب الادّعاء إلى ميدان الفعل. وهم أولى بالحزم وأجدر بالفصل؛ إذ لا يُستباح أمن وطن، ولا تُخدش طمأنينته، ثم يُطلب لهؤلاء سترٌ أو تساهلٌ. فالوطن لا يُصان بالنيات وحدها، بل بحماية حدوده وصون أمنه، ومن اعتدى عليه فقد قدّم حجّته بيده، واستوجب ما يليق بفعله من حسابٍ وعدلٍ لا هوادة فيه.
وهنا تتجلّى حكمة القيادة، حين تقرن الحزم بالعدل، والوضوح بالمسؤولية، فتُعلي من شأن الانتماء الصادق، وتضع حدًا لكل من التبس عليه الطريق، أو حاول أن يجعل من الوطن ساحةً لولاءاتٍ متنازعة، لا يجمعها جامع، ولا يضبطها ميزان.
فالوطن، في جوهره، ليس أرضًا تسكنها، بل معنىً يُعاش؛ ومن لم يعشه صدقًا، فلن تنفعه مظاهرُه، ولن تستره عناوينُه، وسيبقى غريبًا في قلبه، مكشوفًا في موقفه.
لوطنِكَ ولاؤُكَ... ومن دونه سقوطُ انتمائِك.