إيمان عبدالعزيز

على مر ستة عقود من الزمن والأعين تترقب بلهفة شاشة التلفاز لمعرفة الجديد من الأعمال الدرامية للفنانة الراحلة حياة الفهد التي وافتها المنية بعد مسيرة زاخرة بالعطاء الفني أثرت من خلالها الشاشة الخليجية، بأعمال فنية تنوعت بين المسلسلات والمسرحيات والأفلام السينمائية والبرامج الإذاعية حققت نجاحاً باهراً، ما جعلها خالدة في ذاكرة المشاهد الخليجي والعربي.

لم تلتحق الفنانة حياة الفهد بمجال التمثيل لمجرد تقديم أداء استعراضي للدور المطلوب تأديته في العمل فحسب، بل لتقدم رسائل إنسانية وقيم تربوية تهدف مضامينها إلى إيصالها لأفراد المجتمع، من خلال الشخصيات المختلفة التي تتقمصها والقصص المتنوعة الخارجة عن حدود التكرار، لتبرز أبرع ما لديها من طاقة فنية تضع عملها في مقدمة الأعمال الدرامية الناجحة والمفضلة لدى المشاهدين.

ويكمن إبداع الفنانة الراحلة الذي استفردت به خلال مسيرتها الفنية في قدرتها على المزج بين عناصر متعددة تلعبها في شخصية واحدة، فأدت الكثير من الأدوار التي مزجت من خلالها بين عنصري التراجيديا والكوميديا وتقديمهما بإتقان وارتجال من دون تصنع في شخصية واحدة، فكانت تضحك الجمهور بعفويتها وخفة ظلها وتبكيهم في مشاهد الحزن والألم، تعيشها كأنها لو كانت لحظات حقيقية، حتى تظهر بصورة مقنعة، وذلك ما أثار المشاهدين على الحماس والتشويق في متابعة أعمالها وتمييزها عن المسلسلات الأخرى.

وأيضاً تفننت في إبراز صورة المرأة الخليجية المحافظة على قيم وأخلاقيات المجتمع الخليجي وكشفت ذلك من خلال أعمالها التراثية التي تحاكي وطراً من زمان الماضي توضح حياة المجتمع الكويتي والخليجي آنذاك، وثبات المرأة في حفاظها على كيانها الأسري، صامدة في وجه ظروف الفقر العصيبة ومشاركتها لرب الأسرة في العمل لكسب لقمة العيش، وفي أعمال أخرى كشفت أيضاً عن التطور الذي عاصرته نساء الكويت والخليج حتى عصرنا الحالي.

الفنانة الراحلة حياة الفهد استحقت وبجدارة لقب «سيدة الشاشة الخليجية»، لأنها تسيدت الشاشة بإبداعاتها الفنية التي ميزتها عن سائر الفنانين، بأعمالها المسرحية والدرامية والسينمائية وغيرها، وساهمت أيضاً في تكوين عنوان وهوية الشاشة الخليجية، فهي مدرسة للأوساط الفنية تنهل من إرثها الأجيال القادمة من المقبلين على هذا المجال، حب الفن والالتزام بالعمل وتقديم رسائل إنسانية تخدم القضايا المجتمعية.

برحيلها خيم الحزن ليس على الكويت فقط، بل على الخليج والوطن العربي، لأنها دخلت قلب كل بيت خليجي، والآن انطفأت شمعة الشاشة الخليجية التي تنير اللحظات بالأنس والترويح عن النفس، وكما هو معروف في عالم الفن عندما يرحل الفنان بجسده يبقى فنه الحقيقي خالدا لا ينسى ولا يمحى من ذاكرة الأجيال، فلن تنسى الضحكات التي رسمتها الفنانة الراحلة مع رفيقة دربها الفنانة سعاد عبدالله في أعمالهم الكوميدية الممتعة، مثل «خالتي قماشة» و»خرج ولم يعد» و»على الدنيا السلام» و»رقية وسبيكة»، ومشاهد الأمومة الحانية التي استشعرنا بدفئها في دورها بمسلسل «إلى أبي وأمي مع التحية» وأيضاً مسلسل «الأسوار»، وغيرها من الأعمال العديدة التي استمرت بتنوعها على مر ستة عقود من الزمن.

وما لنا إلا أن ندعو الله العلي القدير أن يتغمد فقيدة الشاشة الخليجية برحمته ويسكنها فسيح جناته، ويطيل أعمار من تبقّوا على الساحة الفنية.