بقلم: عيسى الحمادي

إلى من يهوّن من شأن التحالفات، أو يتغافل عن حقائقها: ماذا جَنَت مملكةُ البحرين من تكاملها الخليجي وشراكاتها مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والغرب؟

ليس هذا سؤالَ استيضاحٍ بريء، بل هو في كثيرٍ من صوره تجاهلٌ لوقائع راسخة، أو انتقائيةٌ تُغفل ما لا يوافق الهوى، أو ترويجٌ لقراءةٍ تُفرّغ الأمن من معناه وتختزل الدولة في لحظةٍ عابرة. والأوطان لا تُقاسُ قيمتُها حين تسكنُ الرياح، بل تُعرفُ حين تعصفُ العواصف؛ ولا يُدرَكُ وزنُ التحالفات في الرخاء، بل يتجلّى أثرُها في الشدّة.

فإن قيل: ماذا استفدنا؟ قيل: يكفي أن يُنظر إلى ما حُفِظ، لا إلى ما لم يقع؛ أمنٌ مُصان، واستقرارٌ مُستدام، واقتصادٌ متماسك، وبيئةٌ جاذبة، وشبكةُ أمانٍ لا يُرى قدرُها إلا حين تغيب. ومن أراد القياس فليُقارن بين من أحسن ترتيب علاقاته فاستقرّ، وبين من عطّل موازينه فاضطرب.

إنّ من رام فهمَ مسالك الدول، وتتبّعَ آثارها في مدارج الزمان، علم أنّ الأوطان العريقة لا تقوم على طارئٍ يزول، ولا على عارضٍ يضمحل، بل تُشيَّدُ على أصولٍ ثابتة، وتُحاطُ برؤيةٍ راشدة، تتوارثها الأجيال كما تُورَّثُ المكارم.

وقد كان قيامُ الدولة البحرينية الحديثة في عهد المؤسس أحمد الفاتح دولة عربية مسلمة عام 1783، إذ أرسى دعائمها وثبّت أركانها قيامَ تأسيسٍ لا التباس فيه، وأرست منذ ذلك العهد كياناً سياسيّاً عربيّاً أصيلاً، استمدّ شرعيته من الأرض، ورسّخ وجوده بالإدارة والحزم، وفتح أبوابه للتجارة والعمران، حتى غدت البحرين موطنَ استقرارٍ ومرفأَ أمان.

فأمّا عن نهجها في العلاقات، فإنّ البحرين لم تكن يوماً رهينة ظرف، ولا أسيرة تيّار، بل أدركت بحكم موقعها، وعمق تجربتها أنّ البحار لا تُؤمَّنُ بالشعارات، ولا تُصانُ المصالحُ بالأماني، فكان لها أن دخلت في تنظيمٍ لعلاقاتها البحرية والتجارية، تجلّى بدءًا من الترتيبات الإقليمية في عام 1820، وما أعقبها من اتفاقيات، التي نظّمت شؤون الملاحة، وعزّزت الأمن البحري، ورسّخت دعائم الاستقرار في محيطٍ مضطرب، بما ينسجم مع نهج البحرين الراسخ منذ تأسيسها.

وتعاقبت المراحل، وتبدّلت الأطر، حتى انتقلت تلك العلاقات مع المملكة المتحدة من صيغٍ تقليدية إلى شراكاتٍ أكثر نضجًا واتزانًا، لا تُنازع القرار السيادي، ولا تُفرّط في ثوابت الكيان، بل تُسهم في تعزيز الأمن، وتيسير التجارة، وتهيئة المناخ للنهوض.

ثم كان للبحرين، مع انفتاحها الاقتصادي واكتشاف النفط، أن أحسنت الإفادة من الشراكة مع الغرب، فشيّدت مؤسساتها، وطوّرت بنيتها، حتى غدت من أوائل المراكز المالية في المنطقة، تجمع بين الأصالة في الهوية، والمعاصرة في الأداء.

وأمّا في العصر الحديث، فقد توثّقت عرى التعاون مع الولايات المتحدة، حتى أصبحت العلاقة ركناً من أركان الأمن الإقليمي، وتجسّد ذلك في احتضان البحرين لقيادة الأسطول الخامس الأمريكي، وهو ما يدلّ على ثقةٍ متبادلة، وحسابٍ استراتيجيٍّ دقيق، يراعي ما يحيط بالمنطقة من تحديات.

ولم تقف البحرين عند حدٍّ، بل وسّعت دوائرها، فجمعت بين علاقاتها التاريخية مع المملكة المتحدة، وشراكاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وتكاملها الإقليمي ضمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وانفتاحها على أوروبا والعالم، حتى غدت نموذجاً في تنويع العلاقات، وحسن إدارة التوازنات.

وإنّ من تدبّر أحوال الحاضر، ونظر في ما تعصف به المنطقة من أحداثٍ جسام، وما تتعرض له من تهديداتٍ تمسّ أمنها واستقرارها، أدرك أنّ هذه التحالفات لم تكن ترفاً سياسياً، بل ضرورةً وجوديةً، وسياجاً واقياً، وسنداً راسخاً في أوقات الشدّة.

ولو تُركت البحرين حاشاها، بلا هذا الامتداد في التحالفات، ولا ذلك العمق في الشراكات، لكانت عرضةً لرياحٍ لا تُؤمَن غوائلها، ولأطماعٍ لا تُردَع إلا بتكامل الصف، وتماسك الموقف، ولاضطرب ميزان الأمن، واختلّت معادلة الاستقرار، في منطقةٍ لا ترحم فراغ القوة، ولا تُبقي لمن ينعزل عن محيطه سندًا ولا ظهيرًا.

وإن قائلاً ليقول: لِمَ كان هذا النهج دون غيره؟

فالجواب أنّ البحرين لم تكن لتُسلّم زمامها لتياراتٍ فكريةٍ رُفِعَت لها الرايات، وكان مآلُها إلى الفشل، وقد رأت ما آل إليه حال كثيرٍ من الأمم حين انساقت وراء تجاربٍ أيديولوجيةٍ مغلقة؛ فمنها ما انتسب إلى الشيوعية كما عُرفت في الاتحاد السوفيتي، ومنها ما أخذ بالاشتراكية، ومنها ما رفع لواء القومية العربية، ومنها ما انغلق في أنماط حكمٍ دينيةٍ ثيوقراطية مغلقة، ومنها ما اندفع في تطرّفٍ يساريٍّ يصادرُ المبادرة الفردية ويُفرِط في المركزية حتى يُثقِل كاهل الاقتصاد، أو تطرّفٍ يمينيٍّ يُقصي ويُغلِّبُ الانغلاق ويُنتجُ توتّرًا وصدامًا؛ فكانت النتائج في غير قليلٍ من تلك المسارات بين تعثّرٍ اقتصادي، أو تضييقٍ سياسي، أو اضطرابٍ اجتماعيٍّ ممتد.

فآثرت البحرين نهجاً مغايراً، قوامه:

* الاعتدال في السياسة،

* والانفتاح في الاقتصاد،

* وبناء المؤسسات،

* وجعل مصلحة المواطن معياراً تُقاس به السياسات وتُوزن به النجاحات.

فكان من أثر ذلك أن نجت من الهزّات العنيفة، وثبتت في مواطن الاضطراب، واستمرّت في البناء حين تعثّر غيرها، وجعلت من الاستقرار ركيزة، ومن التنمية غاية، ومن خلق الفرص للمواطن عنواناً لنجاحها.

على أنّ أصدق البيان، أنّ هذا الخيار لم يكن وليد صدفة، ولا نتيجة إكراه، بل كان قراراً سيادياً واعياً، حملته قيادةُ الآباء المؤسسين من آل خليفة الكرام، ومن بعدهم أبناؤهم البررة الذين لبّوا النداء، وتسلّموا أمانة قيادة الوطن، فصانوها كما تُصانُ الذمم، وأدّوها كما تُؤدّى الرسالات، ومضوا بها من طورٍ إلى طورٍ، حتى استقام لها النهج، وترسّخ لها المسار.

وقد تجلّى هذا الامتداد في أبهى صوره في عهد حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، بإطلاق جلالته مسيرةً تنمويةً شاملة، جعلت مملكة البحرين مناراً للنهضة، ومثالاً يُحتذى به في ترسيخ المشاركة السياسية، وتعزيز دور المؤسسات الدستورية في صنع القرار السياسي، وفي العمل التشريعي، وفي بسط الرقابة عليه، ضمن منظومةٍ متوازنة تجمع بين الأصالة والتجديد، والاستقرار والتطوير.

ولم يكن ذلك بمعزل عن الشعب، بل جاء مؤيّداً بإرادةٍ صادقة، آمنت برشد الحكم، وبايعت قيادته بيعةً في المعروف، وجعلت تلك البيعة عهداً في الأعناق، تُصان في الشدائد، وتُحفظ في المحن، وتترجمها وحدة الصف وثبات الموقف.

فالتقت الإرادة بالإرادة، وتعانق القرار مع القبول، فكان من ذلك عقدٌ وطنيٌّ راسخ، لا تكتبه السطور، ولكن تشهد به الوقائع، ولا تحفظه الأوراق، ولكن تصونه الأرواح والضمائر والقلوب.

اللهم لك الحمد حمداً يليق بجلالك، ولك الشكر شكراً يوافي نعماءك، على ما أوليت هذه الأرض من فضلٍ، وما هديت أهلها من رشد.

اللهم أدم على مملكة البحرين أمنها وأمانها، وثبّت أركانها، واحفظ قيادتها الرشيدة، واجزِ آل خليفة الكرام خير الجزاء، فقد حمّلتهم الأمانة فأدّوها، وقلّدتهم القيادة فصانوها، وألهمتهم الرأي فسددوه، حتى استقام المسار ورسخ القرار.

اللهم بارك في شعبٍ إذا دُعي إلى التحدي لبّى، وإذا أُتيحت له الفرصة بنى وأبدع، شعبٍ عشق الإنجاز فأتقنه، وسعى علماً وعملاً فكابد وأجاد، حتى غدا جهده قصص نجاحٍ تُروى فتُلهِم، وتُرى فتُثير غيرةَ الكثيرين، وتُثبت أن الأوطان تُبنى بسواعد أبنائها وعزائم رجالها.

اللهم دم نعمتك، وزد فضلك، وأتمّ على هذه البلاد مسيرتها، واجعل حاضرها امتداداً لمجدها، ومستقبلها أرسخ من ماضيها، إنك وليّ ذلك والقادر عليه.

وخلاصة القول، أنّ مملكة البحرين لم تبنِ مسيرتها على تحالفاتٍ عابرة، بل على رؤيةٍ بعيدة، تُحسن الاختيار، وتُجيد الموازنة، وتدرك أنّ في عالمٍ تتلاطم فيه التحولات، لا يثبت إلا من جمع بين حكمة الداخل، وتوازن الخارج، وجعل من أمنه واستقراره أساساً، ومن ازدهاره ورفاه مواطنيه غايةً ومآلاً.

فذلك نهجٌ لم يكن طريقاً من طرقٍ كثيرة، بل كان لمن تدبّر أقومَها سبيلاً، وأصدقَها أثراً، وأبقاها ذكراً.