في إطار رئاسة مملكة البحرين لمجلس الأمن الدولي في دورة شهر أبريل الحالي، ترأس الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني وزير الخارجية جلسة مجلس الأمن المخصصة للمناقشة المفتوحة الرفيعة المستوى بشأن الأمن البحري، التي عقدت اليوم بطلب من مملكة البحرين، رئيسة المجلس في دورته الحالية، وبحضور أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، و أرسينيو دومينغيز، الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية، و نيك تشايلدز، زميل أول لشؤون القوات البحرية والأمن البحري في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.
وقد ألقى وزير الخارجية في بداية الجلسة كلمة أكد فيها أن المناقشة المفتوحة لمجلس الأمن تنعقد اليوم، وبمشاركة مقدرة من أكثر من ثمانين دولة، في لحظة فارقة وظروف عالمية صعبة، نظراً للتحديات العالمية الراهنة، وتصاعد التهديدات المباشرة للأمن البحري، وتتسم بإجراءات متعمدة لعرقلة حرية العبور عبر الممرات المائية الدولية، الأمر الذي يعرض للخطر الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية والسلم والأمن الدوليين.
وقال إن أكثر من 90 ألف سفينة تبحر يوميا في المحيطات والبحار، مما يُسهّل التجارة العالمية التي تُقدّر قيمتها بتريليونات الدولارات، مما يستدعي استجابة جماعية من المجتمع الدولي، إذ تتزايد الحاجة إلى الأمن البحري أكثر من أي وقت مضى.
وأعرب الوزير عن الامتنان للدول التي انضمت إلى بيان أمن الملاحة الصادر بمبادرة من مملكة البحرين، والتي بلغ عددها ما يقارب مائة دولة، والذي يدين العدوان الإيراني ويرفض الإجراءات الإيرانية في إغلاق مضيق هرمز واستغلاله كأداة سياسية ومورد اقتصادي من خلال فرض رسوم على ممر مائي دولي طبيعي.
وأوضح وزير الخارجية أن حرية الملاحة ركن أساسي من أركان القانون الدولي والسلام، وعلى هذا الأساس فهي تستوجب الامتثال والالتزام الكامل باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تنظم كافة الحقوق البحرية، وحقوق المرور العابر والمرور البريء عبر المضائق المائية الدولية.
وأضاف أن الوضع في مضيق هرمز يبرز المخاطر التي تواجهها دول العالم، إذ تُعرّض تصرفات إيران الاقتصاد العالمي للخطر، وتُهدد سلامة الملايين، لا سيما أولئك الموجودين في الجنوب العالمي. مشيرا إلى أن هذه الأعمال العدائية دفعت بعض الدول إلى اعتبارها إرهابًا، مما يُؤكد هشاشة طرقنا التجارية الحيوية، مؤكدا أن العواقب لا تقتصر على المصالح التجارية فحسب، بل تمتد لتؤثر على سُبل عيش عدد لا يُحصى من الأفراد الذين يعتمدون على ممرات ملاحية آمنة.
وشدد وزير الخارجية على أن أي تقييد أو عرقلة للملاحة الدولية يؤثر بشكل مباشر على التجارة الدولية، وأمن الطاقة، والاستقرار الاقتصادي العالمي، فضلاً عن امدادات الغذاء والدواء وإيصال المساعدات الإنسانية. وحذر الوزير من أن صمت المجتمع الدولي إزاء هذه الممارسات غير القانونية يؤدي إلى ترسيخها، مما يقوض الإطار الدولي القائم، ويضعف الثقة في النظام البحري، مشيرا إلى إن هذا المسار الضار بمصالح كافة دول العالم يهدد سلاسل الإمداد العالمية، ويفاقم التحديات التي تواجهها الاقتصاديات الهشة أصلاً.
وقال الوزير إنه استجابة لهذه القضايا الملحة، تبرز أهمية تأكيد شرعية حرية الملاحة البحرية، بما في ذلك المرور العابر والمرور البريء عبر المضائق الدولية، مع التشديد على حق السفن في الابحار دون تمييز، ودعوة جميع الدول إلى حماية هذه الحقوق، وإدانة أي انتهاكات لها.
ودعا إلى اتخاذ إجراءات عملية مؤسسية لتعزيز القواعد البحرية المطبقة عالمياً، استناداً إلى قرار مجلس الأمن 552 لعام 1984، وقرار مجلس الأمن 2817، وقرار مجلس حقوق الإنسان (1/61)، وكذلك البيان الرئاسي لمجلس الأمن الصادر في الثاني من الشهر الحالي، والتي أكدت جميعها على أهمية سلامة الملاحة الدولية.
وأكد وزير الخارجية أن الأمن البحري ليس مسؤولية دولة واحدة، بل هو مسؤولية مشتركة تتطلب التزاماً دولياً حقيقياً، وتعاوناً مستداماً، وإرادة سياسية لضمان حرية حركة التجارة الدولية والحفاظ على الاستقرار العالمي، مشددا على أن أمن الممرات البحرية الدولية مصلحة جماعية لا يمكن معالجتها بشكل انتقائي.
وقال إن مملكة البحرين تحث المجتمع الدولي على إدراك التداعيات الخطيرة لإغلاق إيران لمضيق هرمز، فهو إنتهاك للقانون الدولي يهدف إلى إلحاق المعاناة بشعوب العالم، واستغلاله في المفاوضات، موضحا أن هذا التصرف غير القانوني، واللامسؤول، أدى إلى حجز ما يقارب ثمانمائة سفينة شحن في الخليج العربي، وتسبب في تقطع السبل لآلاف السفن التجارية، تاركاً نحو عشرين ألف بحار في ظروف مقلقة على ظهر السفن بعيدين عن بلدانهم وأسرهم.
ووجه وزير الخارجية في كلمته أسئلة جوهرية إلى ممثلي الدول المشاركة في الجلسة، متسائلا هل يحق لأي دولة، تحت أي ظرف من الظروف، اغلاق مضيق بحري أمام الملاحة الدولية؟ وما هي الأضرار الاقتصادية التي تكبدتها الدول نتيجة لذلك؟ وما هي الآثار التي ترتبت جراء اغلاق مضيق هرمز على حياة مواطنيهم؟ وماهي الاجراءات الممكن اتخاذها للخروج من هذه الأزمة؟ وهل تستطيع اقتصادات دولهم تحمل الخسائر الفادحة التي تتكبدها حالياً؟؟
وقال وزير الخارجية إن الأثر الاقتصادي على دول العالم قد يصل إلى مئات المليارات، وأن العالم لن يتحمل مزيد من الخسائر، داعيا إلى استجابة دولية تتناسب مع خطورة هذا العمل.
واختتم وزير الخارجية كلمته بتجديد تأكيد مملكة البحرين بأن حماية الأمن البحري مسؤولية مشتركة وملحة، لا ينبغي التغاضي عنها، موضحا أنه يتعين على المجتمع الدولي العمل بشكل جماعي لمنع الانزلاق نحو واقع خطير، تصبح فيه التهديدات للممرات البحرية أمراً شائعاً، والانتهاكات أمراً طبيعياً، على الرغم من مخالفتها للقانون الدولي، محذرا من إن التساهل والتراخي في مواجهة مثل هذا الوضع سوف تكون لهما عواقب وخيمة على السلم والأمن الدوليين.
شارك في الجلسة، السفير جمال فارس الرويعي المندوب الدائم لمملكة البحرين لدى الأمم المتحدة في نيويورك، والسفير سعيد عبدالخالق سعيد، رئيس قطاع التنسيق والمتابعة في وزارة الخارجية، والسيد حاتم عبدالحميد حاتم رئيس قطاع المنظمات، والوفد المرافق للوزير.