يعقوب سامي القوز

الوفاء للبحرين ليس عبارة عابرة تُقال في المناسبات، ولا عاطفة موسمية تظهر عند الاحتفال وتغيب عند الاختبار. فالانتماء الحقيقي هو موقف يومي، وسلوك مسؤول، وعمل منضبط يترجم محبة الوطن إلى إسهامٍ نافع في أمنه واستقراره وتقدمه. فالبحرين، بتاريخها العريق، وموقعها الحضاري، وروح أهلها القائمة على التعايش والعمل والانفتاح، لم تُبنَ بالشعارات وحدها، بل بتضحيات أجيال آمنت بأن الوطن أمانة، وأن خدمته واجب لا منّة.

يقول المثل البدوي: «الشجرة اللي ما تظلل عروقها قطعها حلال». وفي هذا المثل حكمة قاسية في ظاهرها، عميقة في معناها؛ فالشجرة التي لا تمنح ظلها لأصلها تفقد مبرر بقائها، وكذلك الإنسان حين ينفصل عن وطنه، أو يستفيد من خيره، دون أن يرد له الجميل عملاً وإخلاصاً وانضباطاً. والحكمة هنا أخلاقية ووطنية، لا دعوة إلى إلغاء أحد أو التحريض عليه، بل تذكير صارم بأن الانتماء لا يُقاس بالكلام، وإنما بما يقدمه الإنسان لأرضه ومجتمعه ومؤسساته. لقد منحت البحرين أبناءها هوية جامعة، وذاكرة وطنية مشتركة، ومساحة للعيش والعمل والبناء؛ فهي أرض البحر والتجارة، ومجتمع الألفة والتعدد، ودارٌ عرفت عبر تاريخها معنى الانفتاح دون التفريط في الأصالة. ومن الوفاء لهذه الأرض أن يكون المواطن عنصر استقرار لا مصدر اضطراب، وأن يكون شريكًا في التنمية لا متفرجًا عليها، وأن يرى في المصلحة الوطنية سقفًا أعلى من المصالح الضيقة والانتماءات العابرة. فالوفاء للبحرين يعني احترام نظامها، وصون أمنها، والحفاظ على مكتسباتها، والدفاع عن سمعتها بالفعل الواعي والكلمة المسؤولة، ورفض كل مشروع خارجي، أيًا كان غطاؤه السياسي أو الديني، يستهدف أمن البحرين والخليج العربي أو يحاول اختراق نسيجها الوطني.

وحين يكون الانتماء للوطن معيارًا، فإن أخطر ما يهدده هو أن تتقدم الولاءات الخارجية على المصلحة الوطنية، أو أن تتحول الشعارات السياسية والدينية إلى أدوات لاختراق المجتمعات وزعزعة ثقتها بمؤسساتها. وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال خطورة التنظيمات والجماعات ذات الولاءات العابرة للحدود، سواء تلك المرتبطة بمشاريع إقليمية موالية لإيران أو تلك المنتمية إلى جماعات الإخوان، حين تسعى إلى المساس بأمن البحرين والخليج أو إضعاف الثقة بين المجتمع ومؤسساته. فالموقف الوطني الرصين يقتضي التمييز بين حرية الرأي المشروعة، وبين توظيف السياسة أو الدين أو الشعارات الإصلاحية لخدمة أجندات خارجية لا تعترف بسيادة الدول ولا بخصوصية مجتمعاتها. إن الوفاء للبحرين يعني رفض أي ولاء موازٍ ينازع الدولة حقها في حفظ الأمن والاستقرار، كما يعني الوقوف بوعي ومسؤولية ضد كل خطاب أو تنظيم أو تحرك يضع مصالح الخارج فوق مصلحة الوطن.

غير أن الوطنية لا تعني الصمت عن الخطأ، ولا تحويل النقد إلى خصومة، ولا الاكتفاء بالمديح المجرد. فالنقد البناء صورة راقية من صور الانتماء، متى كان هدفه الإصلاح لا التشويه، والمعالجة لا التحريض، وتقوية المؤسسات لا إضعافها. المواطن الوفي لا يجامل على حساب الوطن، ولا يبالغ في جلد الذات حتى يفقد ثقته ببلده، بل يوازن بين الاعتزاز بما تحقق، والتنبيه إلى ما يجب تطويره. فالأوطان القوية لا تخشى النقد المسؤول، بل تستفيد منه حين يصدر عن وعي، ويستند إلى الحقائق، ويحترم الثوابت الوطنية، ويقترح الحلول بدل الاكتفاء بإثارة السخط.

إن البحرين تحتاج إلى وفاء عملي قبل أي شيء آخر. الموظف يعبّر عن انتمائه حين يحترم الوقت، ويتقن العمل، ويحافظ على المال العام. والمسؤول يعبّر عن وطنيته حين يجعل الكفاءة والعدالة والشفافية أساس قراره. والمعلم يعبّر عن إخلاصه حين يغرس في الأجيال وعيًا وانتماءً لا تعصبًا ولا اتكالية. ورجل الأمن يعبّر عن وفائه حين يحمي القانون بروح المسؤولية. ورجل الأعمال يعبّر عن وطنيته حين يسهم في اقتصاد وطني منتج، لا في مصلحة ضيقة منفصلة عن حاجات المجتمع. والإعلامي يعبّر عن أمانته الوطنية حين يجعل الكلمة مسؤولية، فلا يروّج الشائعة، ولا يضخم الخلاف، ولا يفرّط في المصلحة الوطنية من أجل الإثارة العابرة. والانضباط ليس تفصيلًا هامشيًا في معنى الوطنية، بل هو أحد أعمدتها. فالأمم التي تتقدم لا تفعل ذلك بالحماس وحده، بل بثقافة احترام الواجب، والالتزام بالقانون، وتقديم المصلحة العامة، ومقاومة الفوضى والشائعات، وحماية السلم الأهلي. والبحرين، بما تمتلكه من تجربة سياسية واجتماعية واقتصادية، وبما راكمته من قدرة على الصمود والتكيف والحفاظ على وحدتها، تحتاج من كل فرد أن يكون جزءًا من الحل، لا عبئًا على الدولة أو المجتمع. فالانضباط في العمل، والوعي في التعبير، والمسؤولية في استخدام المنابر ووسائل التواصل، كلها صور مباشرة من صور الوفاء الوطني.

ومن الإنصاف أن نقول إن الفخر بالبحرين لا يلغي الحاجة إلى التطوير، كما أن النقد لا ينتقص من حبها. بين الفخر والنقد مساحة واسعة اسمها المسؤولية الوطنية. فيها يعتز المواطن بمنجزات بلده، ويدعو في الوقت نفسه إلى تحسين الخدمات، وتعزيز الكفاءة، ومكافحة الترهل الإداري، وتوسيع فرص الشباب، وترسيخ ثقافة الإنتاج. هذه ليست مطالب منفصلة عن الانتماء، بل هي من صميمه؛ فالوطن الذي نحبه لا نتركه للأخطاء الصغيرة حتى تكبر، ولا نكتفي بمدحه دون أن نشارك في رفعته.

إن الرسالة الوطنية التي ينبغي أن نحملها اليوم واضحة: ليكن كل بحريني ظلًا نافعًا لجذوره، كما كانت البحرين ظلًا حاميًا لهويته وكرامته ومستقبله.