تُعد آليات التكيف النفسي في أوقات الحروب «صمام أمان» حقيقياً، فهي المحرك الذي يساعد العقل البشري على معالجة الصدمات وتقليل احتمالات الإصابة بالاضطرابات النفسية المزمنة. إن الهدف من هذه الآليات ليس الوصول إلى السعادة وسط الركام، بل هو السعي نحو «الصمود» والحفاظ على التوازن النفسي تحت وطأة الضغوط الشديدة.
ولتحقيق هذا التوازن، تبرز ثلاث ركائز أساسية للتكيف الشخصي:
أولاً: التكيف المعرفي (إعادة ضبط البوصلة الذهنية):
في أوقات النزاعات، يسيطر شعور عارم بفقدان السيطرة على المصير. ولتجاوز ذلك، يجب العمل على استعادة الشعور بالتحكم الجزئي؛ وذلك عبر التركيز على المهام الصغيرة واليومية، مثل ترتيب المكان أو الالتزام بجدول وجبات بسيط، مما يمنح الدماغ إشارة بأن هناك مساحة لاتزال خاضعة لإرادة الفرد. كما أن الاعتراف بالمشاعر بدلاً من إنكارها يُعد خطوة جوهرية، فالقول «أنا خائف الآن وهذا حقي الإنساني» يقلل من حدة الضغط النفسي الداخلي.
ثانياً: التكيف السلوكي (تنظيم العلاقة مع الواقع):
من أهم القواعد السلوكية في الأزمات هي «قاعدة الـ30 دقيقة للأخبار». إن التعرض المستمر والمكثف للمشاهد القاسية يؤدي إلى ما يُعرف بـ«الصدمة الثانوية». لذا، يُنصح بشدة بتحديد وقت قصير جداً لمتابعة المستجدات من مصادر موثوقة فقط، مع ضرورة تجنب متابعة الأخبار تماماً قبل النوم لحماية العقل الباطن من الاستنزاف.
ثالثاً: التكيف الاجتماعي (قوة الدعم المتبادل):
الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، وفي الحرب يصبح الترابط وسيلة للبقاء.
- التفريغ الوجداني: التحدث مع الآخرين عما نشعر به يقلل من وطأة الصدمة، ويجعل الفرد يدرك أنه ليس وحيداً في معاناته.
- المساندة المجتمعية: إن الانخراط في أعمال تطوعية بسيطة، أو تقديم يد العون لكبار السن والأطفال، يمنح الفرد شعوراً بالقيمة والأمل، وهو ما يُعد أقوى مضاد للاكتئاب في زمن الأزمات.
كلمة خيرة
إن المرونة النفسية ليست هبة نولد بها، بل هي «عضلة» نمرنها بالممارسة والوعي. في زمن الحروب، قد لا نملك القدرة على إيقاف المدافع، لكننا نملك القدرة على بناء جدران حماية داخلية تحمي أرواحنا من الانهيار. الصمود يبدأ بقرار صغير، واهتمام بسيط بالتفاصيل، وإيمان عميق بأن الحفاظ على سلامة العقل هو أولى خطوات استعادة الحياة.