بقلم: المحامية سهام صليبيخ
عندما يبدأ الحديث عن الأدوات القانونية لتنفيذ مشاريع البنية التحتية والمشاريع الإنشائية، فإن عقد المقاولة هو الأداة الأساسية الأبرز، ولما لهذا العقد من أهمية، فقد تولى المشرع البحريني تعريف هذا العقد وتسميته بموجب نص المادة 584 من القانون المدني بأنه «عقد يلتزم بمقتضاه أحد الطرفين أن يؤدي عملاً للطرف الآخر، مقابل عوض، دون أن يكون تابعاً له أو نائباً عنه».
ولأن عقد المقاولة هو أحد أنواع العقود الملزمة للجانبين التي تقوم على التوازن بين الالتزامات المتقابلة للطرفين، فإن حصول أحداث استثنائية غير متوقعة لا يد للمتعاقدين فيها، يؤدي إلى اختلال توازن هذا العقد، ومن أبرز هذه الظروف الحروب، حيث إن أثر هذه الحروب لا تقتصر على الجانب السياسي أو الأمني، بل تمتد إلى إحداث اضطرابات اقتصادية تؤثر في ارتفاع أسعار المواد الأولية، وكذلك تعطل سلسلة التوريد وتعذر التنفيذ في بعض الأحيان، خاصة في عقود المقاولة، فينعكس بشكل كبير على تكاليف التنفيذ، مما يجد المقاول نفسه أمام التزام تعاقدي أصبح تنفيذه مرهقاً.
ولم يغب هذا الخلل عن نظر المشرع البحريني، فتولى معالجته بموجب نظرية الظروف الطارئة التي أُدْرِجَت ضمن النصوص الصريحة للقانون المدني، وحظر الاتفاق على ما يخالفها.
كما وضع القانون تصوراً للآثار المترتبة على وصول الحدث الاستثنائي إلى حد يستحيل معه تنفيذ عقد المقاولة، وهو ما يعرف بمسمى القوة القاهرة، وهي وقع حادث استثنائي لا يمكن توقعه، ويجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا استحالة كاملة، تعفي المدين من مسؤوليته التقصيرية والعقدية، والتي قد تكون حرباً أو كارثة طبيعية.
وفي كل من الحالتين، فإن القانون البحريني وضع حلولاً تشريعية قد يترتب عليها تعديل عقد المقاولة أو القضاء باستحالة تنفيذه.
إن هذه الحلول لا تمثل انتهاكا لمبدأ «العقد شريعة المتعاقدين»، بل تهدف إلى إعادة التوازن بين أطراف عقد المقاولة، وتحقيق العدالة والإنصاف بين أطرافه، وهو ما أكده القضاء البحريني فيما أصدرته محكمة التمييز من أحكام متعاقبة منها الحكم الصادر في الطعن رقم 458 لسنة 2006، الصادر بجلسة 23 من أبريل سنة 2007 الذي قضى بأنه «العقد شريعة المتعاقدين.
عدم جواز نقضه أو تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون. مؤدى ذلك.
التزام المقاول باحترام الشروط الواردة في عقد المقاولة إلا إذا حالت ظروف استثنائية عامة لا دخل لإرادته فيها يقدرها القاضي».
وبما أرساه المشرع البحريني من نصوص قانونية، وبما أرسته محاكم البحرين من مبادئ راسخة، فإن عقد المقاولة يظل محمياً وخاضعاً لإعادة التوازن في حالات الحروب والكوارث، سواء كان أثر هذه الحروب واقفاً عند حد الإرهاق الجسيم لأحد طرفي العقد، أو كان أثرها هو استحالة تنفيذ عقد المقاولة.